-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحداثيون العرب… المشكلة مع الإسلام!

الحداثيون العرب… المشكلة مع الإسلام!

مع أنّ رواد “التنوير” العربي المزيّف قد فشلوا على مدى العقود الأخيرة في اختراق الوعي الإسلامي، إذ لم ينجحوا في استدراج المسلمين العرب للتخلّي عن عقيدتهم وتمسكهم بأحكام شريعتهم، إلا أنّ المغرّر بهم عقليّا لا يزالون يثيرون من حين إلى آخر مسائل فارغة، عفا عليها الزمن ولم تعد صالحة لصناعة الجدل الفقهي، في ظل تحديات أخرى تواجه مصير الأمة ومستقبلها.
هذه الأيام، ينتهز تلامذة المادية الغربية الشهوانية، المستترين تحت عباءة الفكر الحداثي والإصلاح الديني، وقائع الحج الأعظم، لافتعال نقاش تافه حول ميقات الركن الخامس في الإسلام، استنادًا إلى تخريفات وتحريفات أشخاص لا علاقة لهم بالمعرفة الشرعيّة.
ينبغي التوضيح أن هذه المساحة ليست للتعليق على موقف هؤلاء العابثين، لأنه لا يستحق الانخراط في مخطط التلهية والسفسطة، ناهيك على أنهم غير مؤهلين أصلا للخوض في هكذا قضايا فقهية، يفترض أن ينفرد بها أهل الاختصاص، لو كانوا يلتزمون فعلا مبادئ العقلانيّة كما يزعمون، حيث لكل علم قائم بذاته منهجه وأدواته ومصطلحاته وآليات البحث فيه، إلا شريعة الإسلام فقد جعلوها مستباحة الحياض لكل قائل بما يمليه عليه الهوى والرأي الخاص.
لكن ما يهمنا في هذا المقام الموجز، هو التنبيه الضروري إلى أن مشكلة الحداثيين العرب الأساسية، في عمومهم إلا الاستثناء، هي مع الإسلام في حد ذاته، من جانبيْن على الأقل، هما الجهل بالمعرفة الإسلامية من جهة، والموقف الإقصائي لمنهج الإسلام عن الحياة من جهة أخرى، وقد تحول بمرور الوقت إلى حالة عدائية مستعصية.
بكل جرأة واستسهال يريد “التنويريّون” المستلبون نسف كل النظرية العلمية الإسلامية التي أسست لها الأمة، عبر تاريخها الحضاري، من العهد النبوي والخلافة الراشدة ثم زمن التابعين، إلى أئمة المذاهب الفقهية الكبرى، وكل من جاء بعدهم، رافعين شعار القطيعة الإبستيمولوجية، للتخلص من كامل التراث الإسلامي جملة وتفصيلا،حتى يسهل عليهم لاحقًا إدماج الأمة وتذويبها في الحضارة الغربيّة بحلوها ومرّها، كما قال طه حسين.

وفي هذا المسعى التهديمي للتراث، لا يتكئ هؤلاء المتحاملون، باسم الإصلاح الديني المشبوه، على أي رصيد علمي في المعرفة الإسلامية، بل يعتمدون مناهج شاذّة في الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية، انطلاقًا من إسقاط تجربة الصراع الغربي بين الدين المسيحي والعلم والعقل.
وهذا ما يثبت تجاوزهم التعسفي لمنهجية المعرفة الإسلامية واستقلالها بنفسها، مع أنّ المنظومة الأصوليّة والفقهية والحديثيّة التي أسس لها علماؤنا الأجلاء منذ عصر التدوين الأول (وفق تعبير محمد الجابري) تعدّ من كنوز المعرفة الإنسانيّة النفيسة، إذ قامت على أسس متينة وشروط دقيقة.
وما ذلك، إلا لكونهم مقلّدين حرفيًّا لما أنتجه الآخر في سياق حضاري مختلف جذريّا، لكنهم لا يخجلون من ادعاء استخدام العقل في مواضع كانوا فيها تبّعًا شبرًا بشبرٍ للاستشراق والإلحاد والعلمانية المتطرفة/الشاملة.
من العجائب الصادمة في منطق العلم، أن تجد حداثيًّا مُجترئًا على الشريعة الإسلامية يستشهد لرأيه الفاسد بآية قرآنية منفردة، مبتورة عن سياقها العام، بمعزل عن التناصّ القرآني التقابلي، وبعيدا عن التطبيق النبوي وفهم السلف الصالح وممارسته التعبدّية، وما هذا إلا لجهل مطبق بالقواعد المنهجية في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
ولو جاريْنا سفهاء التنوير المقنّع في تطاولهم على شرع الله، (محمد شحرور نموذجًا)، لانتهى الأمر بالأمة إلى إسقاط الفرائض المكتوبة عليها، من الصلاة إلى الزكاة والحج والصيام، وتحليل الموبقات من كبائر الزنا والخمر والربا وسواها، باسم القراءة الحداثية للقرآن.
أما المعضلة الثانية المسكوت عنها، في علاقة الحداثيين العرب عمومًا بالتراث، فهي عداءهم الدفين للإسلام نفسه، باعتباره منهج حياة شامل لكل الشؤون الفردية والاجتماعيّة والسياسيّة والدوليّة، لذلك ينبشون في كل مواطن الشبهات للانفلات من ضوابط الشريعة الغرّاء، بذريعة تطهير التراث الفقهي والتاريخي.
أكثر من ذلك، فإن موقف رموز الحداثة العربية من الإسلام، بصفته وحيًا مُنزلاً وعقيدة وإيمانًا وقرآنًا وسنة نبويّة، قائم على التشكيك والطعن فيه من الأساس، ولم تعد المسألة تخص الاعتراض على أحكام فقهيّة خلافية محددة أو اجتهادية، بشعار التجديد في قراءة النص الديني لمواكبة روح العصر والعولمة، ومن أراد التثبت فليراجع كتابات أعلامهم المرجعيّة، وعلى رأسهم الجزائري محمد أركون.
القضية المفصلية المحجوبة عن النقاش إذن، لا تتعلق برؤية تجديدية تجاه التراث الفقهي، وحتى لو كان الأمر كذلك، مثلما يزعمون، فإنهم غير جديرين بهذا الاستحقاق العلمي، لكنها ترتبط أساسًا بموقف مبدئي إلحادي ينكر حقيقة الدين الإسلامي، مُدرجًا إياه ضمن الأساطير التاريخيّة، رافضًا الاعتراف بصدقيّة الوحي ونبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، حتى أنهم لا يسلّمون بالذات الإلهيّة التي اختلقها، في نظرهم العقلاني، العجز البشري على مواجهة الطبيعة.
أما الحداثيّون الأقل تطرّفًا، أو الأقل جرأة في الإفصاح عن موقفهم، ولو لأسباب تكتيكية، فإنهم يطعنون في جمع القرآن الكريم، معتبرين “النسخة المتداولة بين المسلمين منذ 14 قرنا غير مكتملة”، بزعم “التدليس الذي طالها بخلفيات سياسية”، مثلما يشككون في تدوين السنة وتوثيق الأحاديث النبوية الشريفة، ولأجلها يشنون حربًا شعواء على رواة الحديث، وفي مقدمتهم سيدنا أبي هريرة والإمام البخاري، كما يهاجمون الإمام الشافعي، رضي الله عنه، لوضعه كتاب “الرسالة”، وما بناه عليه المسلمون من قواعد أصول الفقه، والتي قطعت عليهم طريق التلاعب بالنصوص القطعية والظنيّة.
تلك هي حقيقة الحداثيين العرب في ميزان العلاقة بالإسلام، قائمة على الإنكار المطلق أو التكتيكي، من دون الخوض في العلاقة التطبيقية بالشعائر الإسلامية المعلومة من الدين بالضرورة، فهل يستأمن أمثالهم على دين الحق بفرية النظر العقلي؟!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!