-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحراك الدبلوماسيّ من قوّة الجزائر

الحراك الدبلوماسيّ من قوّة الجزائر

من الملفات الجوهرية التي نجح الرئيس عبد المجيد تبون في تفعيلها بشهادة المنصفين في الداخل والخارج هي إعادة تفعيل الحضور الدبلوماسي لبلادنا إقليميّا، بعد سنوات من الركود الذي جعل الجزائر شبه غائبة في أمهات القضايا الإفريقية والعربيّة.

لقد حرص رئيس الجمهورية منذ الأيام الأولى لاعتلاء سدة الحكم نهاية 2019 على التحرّك شخصيّا في أزمات المنطقة، وعلى رأسها ليبيا ومالي، حيث كانت الجزائر طرفا فاعلاً في مخرجات مسار برلين، لتنجح جهودها مع تركيا (حتى مع اختلاف الوسائل) في دحر ميلشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بعد أن أبرقت للأطراف الأجنبيّة المصطادة في الفوضى، كوْن طرابلس خط أحمر ولن تسمح بسقوطها، وقد أكد الرئيس تبون لاحقا في حوار لقناة الجزيرة أن “الجميع فهم الرسالة القويّة، ولو حدث خلاف ذلك لم تكن الجزائر لتقف مكتوفة الأيدي”.

وبنفس مستوى الإرادة والنبرة تعاطت الجزائر مع الأوضاع السياسية في باماكو عقب الإطاحة بالرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا في 18 أوت الماضي، وكانت تحركاتها معاكسة لمجموعة دول غرب إفريقيا، لكن الرئيس تبون ردّ بوضوح أنّ “هؤلاء لم يستشيرونا، وبدوْرنا لم ولن نستشيرهم في ترتيب المشهد بمالي”، وفي الحقيقة مثل ذلك الموقف كان تحديّا أبعد من “الإكواس” إلى باريس وتل أبيب نفسيْهما، حتّى تكللت مساعيها بتنصيب رئيس انتقالي للبلاد، قبل تطور المشهد بانقلاب جديد لن يفلح في تحييد الجزائر عن صناعة السلم في الساحل.

وفي غضون ذلك، كانت الجارة الشرقية في صلب الاهتمام، وحظيت بالدعم المالي والسياسي والإنساني لتجاوز أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، ولا شك أنّ الجزائر تتابع اليوم على أعلى مستوى الأحداث في تونس الشقيقة، ولن تسمح بالانفلات الذي تخطط له دوائر كثيرة، تستهدف من ورائه كل المنطقة.

ولعلّ رفض الجزائر بشكل علني للهرولة نحو التطبيع، الذي كان دونالد ترامب يسوق إليه القطيع العربي، قد أخلط أوراق الكيان الصهيوني وحلفائه من حكام وملوك المنطقة، فقد راهنوا على اقتناص اللحظة التاريخية للهوان العربي لتمرير مشروع تصفية القضية الفلسطينية عبر “صفقة القرن”، لكنّ وقوف الرئيس تبون بكل شجاعة بالمرصاد، في وقت تواطأت دول عريقة ولاذت أخرى بالصمت، أفشل الخطة إلى إشعار آخر.

هذا ناهيك عن نجاح الدبلوماسية الجزائرية في صمود الشعب الصحراوي ضدّ المقايضة الصهيونية المغربيّة، إذ لم تدم أحلام المخزن طويلا في توطين الاحتلال حتى استيقظ على تلاعب البيت الأبيض بالقرارات والخرائط، فقد حذف جو بايدن مباشرة عقب فوزه بيان اعتراف سلفه بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، والأسبوع الماضي أدرج على تغريدته خارطة للصحراء منفصلة عن المغرب قبل حذفها مجددا، في لعبة واضحة لمراوغة حلفاء إسرائيل المخدوعين.

أما اليوم فقد ذهبت الدبلوماسية الجزائرية أبعد نحو عمقها الإفريقي العربي، وهي ترمي بثقلها في أزمة حوض النيل الذي نأى مجلس الأمن الدولي بنفسه عنها، وعجز الإتحاد الأفريقي عن تسويتها، مثلما أخفقت المبادرة الأمريكية في تحريك مفاوضاتها، وحدها الجزائر تقدمت نحو أديس بابا والخرطوم والقاهرة بحثًا عن حلّ للعقدة الإقليمية، ويكفيها عرفانا أن تحظى بثقة أطراف الأزمة، مقابل رفض وساطات خليجية ودوليّة، وهي شهادة لمصداقية ونزاهة دبلوماسية تخولانها دومًا للمساهمة في حلحلة النزاعات بالمنطقة، مثلما أكد الرئيس عبد المجيد تبون في أكثر من مناسبة.

إنّ هذا الحراك الدبلوماسي الذي تصنعه الجزائر في محيطها الإقليمي منذ 18 شهرا لم يكن وليد الفراغ، بل هو نتاج رؤية واضحة رسمت الأولويات بتعميق الأداء أفريقيّا وعربيّا واعتماد سياسة دينامية واستباقية، مثلما تضمّنه البرنامج الرئاسي، وهو ما بدأ تجسيده فورًا منذ مطلع 2020 بإطلاق “وكالة التعاون الدولي” ضمن توظيف آليات القوة الناعمة في الجوار الجغرافي والقارّي عموما، ثمّ التحرك الفعال على محاور المنطقة لفرض المقاربة الجزائريّة المرتكزة على الحلول السلمية الحواريّة وصيانة السيادة الوطنية ودحر التدخلات الأجنبيّة.

ولعلّه من نافلة القول، تذكير الغافلين والجاحدين بتاريخ الدبلوماسية الجزائرية الناصع بوهج المبادئ الثوريّة والأخلاقية التي بوأتها للعب أدوار أمميّة وإقليمية لم يؤدّها سواها، من نصرة فلسطين في الأمم المتحدة إلى الحرب العراقية الإيرانية وقبلها صراع الحدود بين البلدين، ثم تحرير الرهان الأمريكيين واتفاق الطائف والنزاع الأثيوبي الأرتيري واتفاقات السلام في مالي وبلورة مبادرة “النيباد” وغيرها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • كل شيء ممكن

    هذيك بكري اليوم Vers un nouvel ordre mondial

  • عمار بن عودة

    الجزائر هي الدولة الوحيدة بين كل الدول العربيية التي رفضت التطبيع والتصهين والانبطاح والاستسلام لليهود . كل حكام العرب وشعوبهم وعلماء الدين الوهابيين السلفيين بالخليج والاردن والمغرب ومصر والسودان ممطبعون متصهينون حتيي النخاع منبطون مستسلمون لليهود ويعترفون بدولة الاحتلال علي حساب دماء اخوانهم العرب بفلسطين وغزة المحاصرة.

  • سمسم

    حبذا لو تعمل الدبلوماسية الجزائرية على جلب اللقاح وحل أزمة اوكسجين فهذا يكفي.