-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحروب القادمة

التهامي مجوري
  • 1491
  • 1
الحروب القادمة

في نهاية ثمانينيات القرن الماضي تكلمت تقارير إعلامية عن أن الحروب القادمة سوف تكون عن المياه، على اعتبار أن كثيرا من الوديان والأنهار ومنابع المياه مشتركة بين الكثير من الدول، بحيث يبلغ طول النهر الواحد المصنف دوليا أكثر من ستة آلاف كيلومتر، ويضاف إلى ذلك المياه الجوفية، وهي المياه المخزنة في الأرض ولا ترى بالعين، بحكم مرور هذه المياه على أكثر من دولة فهي مشتركة، وكلما تضررت دولة من شح المياه بسبب الجفاف أو كثرة الاستعمال والتبذير، فإنها تعمد إلى جلب المياه من الأنهار ومن جوف الأرض، وووو المياه وتخزينها في السدود وغيرها من مواقع التخزين، فتتضرر البلاد المجاورة بهذا والاستئثار,,, فيقع الخلاف ويتطور…

ذلك أن الماء مادة حيوية لا يستغني عنها أحد، وشحها يدعو إلى الصراع عليها بين الدول… وكنا نعتقد يومها أن الحروب سوف تكون كما هي في العادة، دولة تعلن الحرب وتهيء جيشها لغزو منطقة، أو تقوم بعمليات تاديبية ترهيبية بواسطة غارات عسكرية…، فترد الجهة المغزوة بما تمتلك من قوة دفاعية… وهكذا، ولكن الاحتلال الصهيوني بعد سنوات قليلة وبالضبط في سنة 1997/1998 كشف لنا أن الحرب على المياه لا تكون كذلك، وإنما تكون بالتحكم في تصريف المياه إلى الجهة المعادية حيث سقت دولة الأردن يومها في القسم المشترك من المياه قذارة، وذلك بإطلاق صرف مياه الصرف الصحي في مواقع المياه الصالحة للشرب الموجهة إلى المملكة الأردنية الهاشمية.

لا شك أن الحروب بين الدول لم تعد تعتمد السلاح في حسمها للصراع منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن بقي السباق نحو التسلح هو السمة الغالبة طيلة سنوات الحرب الباردة 1945/1989، ولكن استعماله لم يكن مطروحا في بين أهل الشمال  من خلافات، وإنما كان يستعمل فيما بين الضعاف، ولعل ما وقع في البوسنة من قتال في الرقعة الأوروبية كان الشذوذ الذي يثبت القاعدة، أما في الجنوب فكان المعول عليه دائما هو الحسم العسكري، وأكبر شاهد على ذلك الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات، وإلى اليوم الحرب اليمنية والتدخل الخليجي في المنطقة.

وما أظهرته سلطة الاحتلال الصهيوني بفعلتها تلك منعرج خطير، وكشف جديد عن طبيعة الحروب الجديد التي لا يكون فيها السلاح والفعل العسكري  ذا قيمة؛ لأن القيمة الحقيقية هي الفكرة وليس السلاح، فتدفق المياه القذرة في مصب المياه الصالحة للشرب فكرة وليست آلة، وهي أبسط من صنع السلاح.

فالحروب المتوقعة لن تكون حروبا تقليدية، وإنما ستكون “حروب فكرية”، أي أن الفكر هو الذي سيكون القائد الفعلي للحروب والحاسم فيها وليس السلاح، من ناحية ان العالم الآن يفكر اقتصاديا في خوض الحروب، ومن ناحية أخرى أن السلاح انتشر على البشرية بالقدر الذي يفني عشرات أمثالها، ومن ثم لم يعد ممكنا التشجيع على استعمال السلاح.

وربما تطورت الأمور أكثر، فلم يعد من السهل معرفة العدو، بحيث نقبل على محاربته، فخبراء الاستراتيجيا اليوم يتكلمون عن ميكانيزمات تحديد “العدو الحقيقي”!!

مَنْ مِنْ العالم اليوم يقدر على تحديد عدوه الحقيقي؟ باستثناء الفلسطيين الذين يعانون احتلالا استيطانيا واضحا، اما باقي العالم فتحكمه المصالح، كل دولة لها مصالح تتلمسها في غيرها من الدول، ولتحقيق هذه المصالح تستعمل جميع الوسائل لنيلها، باستثناء الاحتلال والحرب؛ لأن العالم اليوم أدرك أن احتلاله لأية بقعة من العالم، واستعمال السلاح فيها، يكلفه أكثر بكثير من النشاط الدبلوماسي السلمي الذي يحتاج إلى معرفة وقدرات عقلية وليس لعضلات مفتولة وترسانة أسلحة، ولذلك طفى على السطح صعوبة تحقيق العدو من الصديق، في عملية تحقيق المصالح بين الدول، كيف يتم التفريق بين المستثمِر والمستعمِر؟ وهذه أيضا تحتاج إلى نشاط علمي وفكري قويين للتفريق بين من جاء ليحقق مصالح له من غير أن يكون لذلك أثر على المصلحة الوطنية أو القومية للبلاد التي نزل بها المستثمر.

قد يكون الناظم لذلك منطق التحالفات وتبادل المصالح، وذلك يكون باختيار الشريك، ولكن الشريك في العالم يتمثل في واحد من القوى الكبرى، وهذه القوى لا يمكن تحديد معايير لمعرفة الصديق من العدو، فالغرب عموما الولايات أو أوروبا، يبدو وكأنه الأقرب إلى الديمقراطية وهو الأولى بربط العلاقات معه بالنسبة للأنظمة المتخلفة، ولكن  براغماتية هذا الغرب وجاذبيته لا تسمح له بأن يكون صديقا لأحد، فمصلحته فوق كل اعتبار، ولا يتنازل عليها قيد أنملة؛ بل إن مركزيته المفرطة جعلت منه يشعر بالسيادة على كل ما ليس غربيا، ولذلك لا يسمح لأية قوة بالصعود والتفوق إلا في إطار ما يريد هو…، وأفضل مثال على ذلك، منع السعودية في سبعينيات القرن الماضي من إنتاج القمح، وذلك عندما قررت في عهد الملك فيصل رحمه الله إنتاج القمح، ولكن الأمريكان لم يسمح لها بذلك، بحيث أن وزير الخارجية يومها كيسنجر قال للملك فيصل تخلوا عن إنتاج القمح ونحن نضمن لكم ما تحتاجون منه، ولكن الملك فيصل رحمه الله أصر لأن عزيمته التي كانت في اتجاه الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن الغرب، ولما خرج كيسنجر من عند الملك فيصل وسألته الصحافة عن نتائج المقابلة، قال أعتبر أن مقابلتي للملك كانت فاشلة… وقتل فيصل ويقال إن لقتله صلة بهذه الواقعة، وقد البست تهمة القتل أحد أفراد العائلة الحاكمة في السعودية… واما المشروع فقد نفذ وفق ما يريد الأمريكان، وحتى لو تطورت الفلاحة والزراعات في أي بلد من بلاد الأطراف، فإن الغرب لا يسمح لها بالتصدير للغير ويضع لها الحواجز تلو الحواجز.

فالعلاقة مع الغرب خالية من كل أخلاق، ومن ثم على الشعوب التي لا تتعامل بهذا المنطق إما أنها تخضع وتقبل بالخنوع والخضوع لهذا الواقع، أو أنها تتمرد وتقاوم مثلما فعلت في حركات التحرير أيام الاستعمار، وذلك يحتاج إلى جهود كبيرة في إنتاج الأفكار القوية القادرة على مقاومة هذا الاستبداد المقنع.

أما القوى الأقرب إلى الشعوب المستضعفة هي الصين وهي قوة صاعدة وطبيعتها ناعمة، ولكنها لا يبدو عليها القدرة على قيادة العالم بسبب طبيعتها الإستبدادية، ورغم أنها قوة بشرية وصناعية كبرى، إلا أنها لا تتعامل مع الواقع الدولي بمنطق الكبار، بدليل أنها عضو هام في المؤسسات الدولية ولها الحق في الفيتو، ومع ذلك لم نسمع عن الصين أنها تميزت بموقف في قضية هامة من قضايا العالم,.

قد تنجح الصين في التحكم في الإقتصاد وفي أدواته التكنولوجية المؤثرة وتتميز، ولكنها لا تنجح في الإمساك بمقاليد  إدارة العالم كما هو الحال مع الغرب بشقيه الأوروبي والأمريكي، أو على الأقل هكذا يبدو إلى حد الآن.

لا شك أن الانتشار الصيني اليوم في العالم يحقق الكثير من المكاسب الاستراتيجية للصين، سواء في تصدير اليد العاملة إلى العالم، أو بالحصول على صفقات استثمارية كبيرة في إفريقيا، ولكن كل ذلك لا يتجاوز الهدف الإقتصادي الذي ينفس عن الصين الضائقة الاقتصادية.

ولكن مع ذلك ربما تحدث الصين بهذا المستوى من القوة المنافسة المختلفة عن القوة الغربية في غاياتها الاستراتيجية، نوعا من التوازن وردم الهوة التي أحدثتها الغطرسة الغربية بين الشعوب، فالصين في مستوى من النمو والقوة يؤهلاها للقيام بهذا الدور الهام في الحروب القادمة، لا سيما إذا غذيت هذه القوة ببعد استراتيجي إنساني مثلنا كانت أيام دول عدم الانحياز في خمسينيات القنرن الماضي,

فصعوبة تحديد العدو تقتضي في هذه الحروب البحث عن معنى آخر لذلك؛ لأن منطق المصالح غطى عن  حقيقة الأعداء، بحيث أصبحت فكرة الحرص على المصلحة مبررا كافيا لمظالم الكبار في حق الصغار؛ لأن الصغار لا يعرفون مصالهم!! وذلك يتطلب مستوى فكريا في مستوى الحدث لإيجاد صيغ جديدة لكسب هذه الحروب بدل الاسلحة المستعملة اليوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • يوغرطة

    علي الجزائر ان تبني المزيد من السدود خاصة علي الانهار والوديان الكبيرة . علينا ان لا نضيع قطرة واحدة في البحر لذا يجب انجاز محطات لتطهير المياة القذرة الملوثى لاستعمالها في الزراعة والصناعة . علي الدولة ان تتحرك وبجد