-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
القرآن كلام الله المنزّل من السّماء

الحلقة (18): مكانة الكهّان الكهّان عند العرب

خير الدين هني
  • 360
  • 0
الحلقة (18): مكانة الكهّان الكهّان عند العرب

كان الكهان في العصر الجاهلي، يتمتعون بمكانة مرموقة من التعظيم والتبجيل والتقديس، لأنّهم كانوا سدنة المعابد والناطقين باسم الآلهة التي كان يعظمها العرب ويقدسونها ويقدمون لها القرابين، ويشدون إليها الرحال قاصدين الحج إليها في المواسم، ولذلك كانوا مسيطرين على الحياة العامة في سائر بلاد العرب، ومستولين على عقول الناس وقلوبهم ومشاعرهم، ومؤثرين على توجيه الأحداث في سلمهم وحربهم وحلّهم وظَعنهم.

كان الناس يفزعون إلى الكهّان عندما تحيط بهم الملمات في الحروب والمنازعات والخصومات، فيلجؤون إليهم كيما يحلون مشكلاتهم ويفكون خصوماتهم ويصلحون ذات بينهم، أو يفسرون لهم طلاسم رؤاهم أو يستطلعون لهم أخبار المستقبل، أو فيما ساورهم فيه شك أو ارتياب حول ما يمكن أن يكون قد وقع فيه غدر وخيانات الأزواج والزوجات، أو يصلحون بينهم عند الالتجاء إليهم في الشدائد والخطوب، حينما تشتد بينهم الخصومة والمنازعة والمنافرة أو الاقتتال، بسبب مشكلة أحاطت بهم أو اختلفوا في حلها.

وكان الكهان يَسْجَعون كلامهم بطلاسم من الكَلِم (الفرق بين الكَلِمِ والكلام أنّ الكلام له معنى والكَلِم لامعنى له)، حين يقصدهم أصحاب الحاجات، والكلام المسجوع فَنًّ من فنون النثر، يعتمد الجمل المترادفة والمتوازنة والمتزاوجة، يستخدمها الكهان للتعمية على الناس، والتشويش على عقولهم بتلك الطلاسم المسجوعة التي تحمل وجوها مختلفة من المعاني القابلة للتأويل، وهم يدّعون معرفة الغيب حول أي نازلة أو مشكلة، أو مسألة مبهمة لا يعرف الناس أسرارها ومعانيها، وأن الجن مسخرة لخدمتهم وهم طوع إرادتهم، فيأتونهم بأخبار الغيب والمستقبل، ولذلك كان لكل كاهن رَئِيٌّ (تابع) من الجن، يلازمه في كل وقت يريده وهو قادر على زجره وقهره عند ما يأْبَق عن طاعته (يهرب ويبعد عن طاعته).

وكانت العرب تحتكم إليهم عندما تتأزّم الخصومة بينهم، على نحو ما حدث من منافرة بين هاشم بن عبد مناف، وأمية بن عبد شمس، حينما احتكما إلى الكاهن الخزاعي، وكذلك فيما وقع من منازعة بين عبد المطلب وقريش، في شأن استئثار عبد المطلب بحفر زمزم والاستفادة من مياهها وحده دون قريش، فاحتكما إلى كاهنة بني سعد التي كانت تنزل بأعالي الشام، وكانوا يطلبون استشارتهم حينما تُلمّ بهم الخطوب (المكاره).

وهذه إحدى سجعاتهم قالها أحدهم في حجر أبي امرئ القيس: “قالوا: لبيك ربنا، قال: من الملك الأصهب، الغلَّاب غير المغلَّب، في الإبل كأنها الرَّبْرب، لا يعلق رأسه الصَّخَب، هذا دمه ينثعب، وهذا غدًا أولُ من يسلب، قالوا: من هو يا ربنا؟ قال: لولا أن تجيش نفس جاشية، لأخبرتكم أنه حجر ضاحية. فركبوا كل صعب وذَلول فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عكر حجر فهجموا على قبته وقتلوه”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!