-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مقدّمة حركة القرآن المجيد في النّفس والمجتمع والتّاريخ 

الحلقة (26): القراءات زكاةٌ للمعاني

أبو جرة سلطاني
  • 353
  • 0
الحلقة (26): القراءات زكاةٌ للمعاني

أجاز رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- اختلاف القراءات بضوابط النّطق الصّحيح، وسمح به، تخفيفا على النّاس لعلمه أنّ مخارج الحروف لدى القبائل العربيّة ليست واحدة، ومن رحمة الله -جل جلاله- بعباده إنزال القرآن على سبعة أحرف. روى البخاري ومسلم عن ابن عبّاس -رضي الله عنه- عن الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فزادني فلم أزل أستزيده ويزيدني حتّى انتهى على سبعة أحرف”. وعنهما أيضا، في قصّة طويلة يرويها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه سمع هشام بن حكيم القُرشي يقرأ سورة الفرقان على غير الوجه الذي سمعه هو من رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، فأمسكه من جلبابه وجاء به إلى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وقال له: يا رسول الله إنّي سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فقال -صلّى الله عليه وسلّم- لهشام: “اقرأ”، فقرأ هشام قراءته فقال -صلّى الله عليه وسلّم-: “هكذا أنزلت”، ثم أمر عمر فقرأ فقال -عليه الصّلاة والسّلام-: “هكذا أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسّـر منه”. فمن إنكار عمر على هشام نفهم أنّه لم يسمع قراءته وكلاهما قرشيٌّ فصيح اللّسان واضح البيان.

من إقرار رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- للقراءتيْن نفهم أنّ كلام الله أوسع من ألسنتنا ورحمته بنا أوسع. فمعاني القرآن تتكامل مع اختلاف النّطق في مخرج الحرف. والقـرآن يُقـرأ على سبعة أوجه معلومة، وعلماء القراءات يوصلونها بثلاث أخر، فهي عشـر قراءات. والماهر بها يقرأ لنفسه بما شاء، لكنّ التّوسّع فيما وراء الجائز منها -لغير ضرورة مدرسيّة- بشروط صارمة وضوابط دقيقة يبطلها إذا جعلت معاني كلام الله -جل جلاله- تضطرب وتُلبّس الفهم على السّامع، فيجد مَن في قلبه مرض سبيلا إلى التّأويل البعيد، كما صنع غلاة الرّوافض ببعض الآيات، كتأويلهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ (الكهف: 51)، فقرأها غلاتهم قراءة مبْتسرة ليّا بألسنتهم واعتسافا للمعنى بتثنيّة جمْع مُضلّ فجعلوها اثنيْن وقرأوا: وما كنتُ متّخذ “المُضلّيْن” عضدا، بياء الاثنيْن، ليفسّـروا “المُضليْن” بأنهما خليفتا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما)، وهذا بهتان كبير يعارض الوحي الذي بيّن أن المضلّيْن هما الضّالّين المضلّين من الإنس والجنّ في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ (فصّلت: 29).

كما أنّ ابتسار القراءة وليّ اللّسان بها خطيئة، فاللّغوّ في فهم كلام الله خطيئة أيضا. والإحاطة بهذه الأساليب الجماليّة تثري المعاني وتعزّزها وتجلّيها، كما تساهم بنْيَةُ الكلمة وطريقة النّطق بها في تعدّد الألفاظ وزكاة المعاني. وعلى سبيل المثال فلفظة “مَلِكْ ” في سورة الفاتحة -بقراءة ورش- تعزّز معنى لفظة “مَالِك ” -بقراءة حفص-، ولفظة “يطَّهرن” غير لفظة “يتطهّرن” ومثلها يستطع ويسْطع وصيغة “ولاَمسْتم النّساءَ” غير صيغة “لمَسْتم النّساء”، ومحتوى معنى “يُخادعون” غير محتوى معنى “يخْدَعون”، والحضّ على الشّيء في “تَحضّون” على طعام المسكين، غير معناه في “تَحاضُّون” على طعام المسكين، وانظر إلى العظام كيف “ننْشٍرُها” غيرها في قراءة “ننشزُها”، وفي قول عيسى -عليه السّلام- للحواريّين ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (الصفّ: 14)، ظِلالٌ لا تشي بها قراءة: “من أنصارُ الله؟”.. الخ. وهو ما فقهناه من نهي الله تعالى المؤمنين عن قول “راعنا” واستبدالها بـ”انظرنا” مع أنّ معناهما واحد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 104).

لألفاظ القرآن ظلالٌ وارفة ظليلة ولو بدتْ مترادفات، “فتبّتْ” غير بُترت وغير قُطعت في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: 1). وليس فقه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق: 19)، كفهْم: وجاءت سكرة الحقّ بالموت. ومثلها قراءة: “وكان أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا” بدل: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (الكهف: 79). بالجملة لا ينبغي الخلط بين “قراءة التّفسير” وقراءة التّنزيل؛ ففي قراءة التّفسير قرأ بعضهم، ومنهم عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه-: “وجاءت سكرة الحقّ بالموت”، بدل قراءتها ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (ق: 19)، فهو تفسير للموت بأنّه حقّ. وقرأ بعضهم: وكان “أمَامهم” ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا، بدل: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (الكهف: 79). لأنّ وراء تعني عند بعض العرب التّصدّي والمرصاد؛ فالموت الذي تفرّ منه لا يطاردك من خلفك لأنه أمامك: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (الجمعة: 8).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!