-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مقدّمة حركة القرآن المجيد في النّفس والمجتمع والتّاريخ

الحلقة (27):  الغلوّ في الفهم كفرٌ وتكفير

أبو جرة سلطاني
  • 661
  • 0
الحلقة (27):  الغلوّ في الفهم كفرٌ وتكفير

غالى الخوارج في فهم كلام الله فسحبوا أحكام الله في المشركين على الموحّدين إذا أخطأوا، فنشأت بدعة تكفير الموحدّ إذا ارتكب كبيرة!! وقالوا بخلوده في النّار. وربط الحَروريّة معنى “الحُكم لله” بعدم جواز التّحكيم البشريّ في أيّ مسألة شرعيّة، وأخلطوا بين الحُكم والتّحكيم، مع أنّ التّحكيم وارد في القـرآن الكريم بين الزّوجين حال النّشوز أو الإعنات، ووارد أيضا نصوصا صريحة في مسائل كثيرة من شؤون العبادة ومن تدابير العيش، وفي صيد البرّ للمحرم: “يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ” المائدة: 95، لكنّهم تعمّدوا الخلط بين الحُكم بما أنزل الله والتّحكيم الذي هو إجراء فنّي (تقني) خاضع لشروط خارجيّة مستندة إلى مفهوم النّصّ تبحث في سبل الخروج من حالة إعسار إلى حالة يسار أو من حالة ضيْق إلى سعة وما هو أيسر منها، فاليسْر في الدّين سنّة المصطفى (ص) الذي كان إذا خيّر بين أمريْن اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم، كما في صحيح البخاري عن عائشة (رضي الله عنها).

وهذا باب واسع في فقه المعاملات وفي أصول السيّاسة الشّرعيّة أرادت بعض الفرق سدّه بذريعة حصْر الحُكم في ما أنزل الله نصّا وغفلوا عن أنّ التّحكيم حكْمٌ بما أنزل الله لأنه مندرج فيه؛ فالصّلح بين الزّوجين مثلا حكْم بما أنزل الله بنصّ مُحكَم ولكنْ بتحكيم بشريّ: “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا” النّساء: 35. ومثله التّحكيم في حرمة صيد البرّ للمُحْرِم؛ فهو حكْم بما أنزل في قوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ” المائدة: 95. ومن هذه الأمثلة استنبط أهل العلم مشروعيّة الضّمان قيّاسا على قوله تعالى: “وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ” يوسف: 72. واستندوا على قوله تعالى: “لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ” النّساء: 105، لإجازة القيّاس الواسع بما يفتح الله به على المجتهد. وبقوله تعالى: “فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ” الكهف: 19، دليلا على مشروعيّة الوكالة أو التّوكيل. واستدلّوا بقوله تعالى: “وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ” الأعراف: 142، على جواز الاستخلاف والتّفويض .. الخ. وكلّها داخلة في الحكم بما أنزل الله.

وفي المقابل ذهب غلاة الباطنيّة وإخوان الصّفا وغلاة الخوارج وبعض الرّافضة وغيرهم من المتنطّعين المنبتّين، ذهبوا إلى أقصى حدود الغلوّ والتّطرّف والشّطط، فحمّلوا ألفاظ القـرآن الكريم ما لا تتحمّله أساليب اللّغة التي نزل بها، فقالوا إنّ لفظ “فرعون” في القرآن هو قلب الانسان الطّاغيّة في قوله تعالى: “اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى” طه: 43، فلا أحد يدخل الجنّة حتّى يعبر جميع الآراء الفاسدة ويجتاز الضّلالات والحماقات التي اقترفتها يداه أيّام صباه وشبابه حتّى يسلم “فرعونه” ويركن إلى الطّاعة، وبذا فسّروا قوله تعالى: “وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا” مريم: 71. كما ذهب بعض غُلاة الشّيعة وفرقها المتطرّفة بعيدا فأوّلوا ما لا مجال فيه للتّأويل، وحمّلوا النّصوص ما لا تتحمّل لخدمة أهوائهم بليّ أعناق النّصوص وبالقفز على تاريخ الدّعوة قرونا متطاولة إلى درجة أنّهم أوّلوا قوله تعالى: “مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ” الرّحمن: 19، بأنّهما عليّ وفاطمة!! (رضي الله عنهما). وأوّلوا قوله تعالى: “يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ” الرّحمن: 22، بأنهما الحسن والحسين (رضي الله عنهما).. كذا في تفسير الميزان للطّباطبائي في تفسير سورة الرّحمن: 19ـ 103. وما بعدها.

كلُّها تأويلات باطلة كاذبة خاطئة ظالمة ضالّة مضلّة متجاوزة للفهم الذي تسمح به أساليب اللّغة العربيّة، فلا قرينة تجمعها ولا وجه للشّبه بين المنطوق والمفهوم، وليس لهؤلاء المتأوّلة ـ بهذا التّنطّع الضالّ ـ من حجّة ولا سند سوى قولهم بالظّاهر والباطن ومكاشفة القلوب والذّوق والإشارة والفهم المحمول على ما لا يجوز تأويله. وكلّه قول بالرّأي مردود على أصحابه حتّى يقيموا على أقوالهم دليلا يُستأنس به، أو هو ردّ.

ومن أغرب ما قرأت في منهاج السنّة النّبويّة في تقض كلام الشّيعة والقدريّة لابن تيميّة: 3ـ 403 وما بعدها، أنّ غلاة الرّوافض يؤوّلون معنى الشّجرة الملعونة في القرآن بأنها شجرة بني أميّة!! ويؤوّلون قوله تعالى: “إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة” البقرة: 67، بأن المقصود بها عائشة (رضي الله عنها)!! وقوله تعالى: “فقلنا اضربوه ببعضها” البقرة: 73، أنه طلحة والزّبير(رضي الله عنهما)، والخمر والميسر اللّذان ضرّهما أكثر من نفعهما هما أبو بكر وعمر (رضي الله عنه)!! وفي معنى الجبت والطّاغوت أنهما معاويّة وعمرو بن العاص.. وغيره كثير رصده ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: 1ـ 71، وما بعده، واستشهد به الرّافعي في إعجاز القرآن: 159 وما بعدها.

قراءة هذه الكتب تضع بين أيدينا أمثلة حادّة وغير مؤدّبة من تنطّع غلاة الرّوافض تخرج عن المعقول والمنطق وتسيء إلى أصحابها قبل الإساءة إلى من جعلوهم خصوما لهم، وتوقع أتباع هذه الطّوائف في أعنت الحرج إذا سُئلوا عن تأويلها، فما عساهم قائلين إذا طُلب منهم دليل على تأويل النّهي عن اتّباع خطوات الشّيطان بخلافة أبي بكر وعمر؟؟ وتبييت ما لا يرضى من القول بما كان من مشورة في “حادثة السّقيفة”؟؟ وقولهم إنّ المقصود بقتال أئمّة الكفر هما طلحة والزّبير!! وتأويل النّهي عن الفحشاء والمنكر بأنّه نهي عن الاعتراف بفترة خلافة الشّيْخيْن!! وتأويل الظّلمات في بحر لجيّ بأنها الفترة الزّمنيّة الفاصلة بين وفاة رسول الله (ص) واستلام الإمام علي (رضي الله عنه) الخلافة!! ويدا أبي لهب هما أبو بكر وعمر..!! ولا أزيد؛ فقد بلغ السّيل الزّبَى.(1).

لكنْ من الأمانة العلميّة بيان أنّني بحثت في كلّ ما وصلته يدي من مراجع ومن تفاسير معتمدة لدى الشّيعة فلم أعثر على ما دوّنه العلماء عنهم في القول عن عائشة (رضي الله عنها) أنها المقصودة بالبقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها، فقد وجدت مدائح مفرطة لآل البيت، ولاسيّما عليّ وفاطمة والحسنيْن (رضي الله عنهم)، لكنّي لم أعثر في مراجعهم عمّا تمّ التّرويج له. ولعلّ هذه الآثار قد تمّ إسقاطها من تفاسيرهم أو تُركت لغرابتها وركاكتها وبيان عوّارها، أو أنّ عقلاء الشّيعة أخفوها أو أحرقوها لسخفها وظهور فسادها وبطلانها وتأثيرها السّلبي على عامّة المسلمين الذين يعلمون أنّ رسول الله (ص) لا يؤخّر البيان عن وقت الحاجة؛ فلو أمره الله (جل جلاله) بذبح عائشة (رضي الله عنها) ما تأخّر وما كتم ما نزل عليه. ولو أعلمه أنّ المُضلّيْن هما أبو بكر وعمر(رضي الله عنهما) ما كتم شيئا من أخبارهما عن أمّته. ولكنّ الحقد يعمي ويصم، فلا اعتبار بتأويل ما لم يقم عليه دليل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!