-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحلقة (31): السجع في القرآن يراعي المعنى

خير الدين هني
  • 372
  • 0
الحلقة (31): السجع في القرآن يراعي المعنى

عند ملاحظة سجع القرآن، نراه يختلف فجأة في بعض الأحايين؛ كأن تكون القافية نونية فتجيء في وسط السياق فاصلة ميمية، وفي هذا برهان على أن المعنى هو الأصل، وأن السجع لا يراد به مطلق التوافق في الحرف، وإنما يقصد به التلحين والتنغيم؛ لأن تغيير الحرف مع بقاء الوزن لا يغير من الرنة الموسيقية.. وفي الأحاديث النبوية سجع مقصود، خلافًا لما ظن المسيو ماسينيون، ومن أمثلته: “أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام”.
نقل الغزالي في باب الاستعاذات المأثورة عن الرسول: “اللهم إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طَبع، ومن طمع في غير مطمع، ومن طمع حيث لا مطمع. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع. وأعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع، ومن الخيانة؛ فإنها بئست البطانة، ومن الكسل والبخل والجبن، ومن الهرم، ومن أن أُردَّ إلى أرذل العمر”.
ولنقيد أن السجع لا يطَّرد في الحديث كما لا يطَّرد في القرآن، فهو حلية تقصد، ولكنها لا تلتزم؛ لما في التزامها في قهر المعاني على متابعة الألفاظ، وقد نجد في الأحاديث عبارات تجري مجرى السمع من حيث مراعاة الوزن وإن لم تراعَ فيها القافية؛ كقوله عليه السلام: “اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، وترد بها ألفتي، وتصلح بها ديني، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوء، وهذا النوع من «الوزن» قريب من السجع من حيث بناء الجملة”.
فزكي مبارك في كلامه عن سجع القرآن، لا يعتبره إلا سجعا عاديا كسائر أسجاع البلغاء والفصحاء، قُصد لغاية التطريب والتنغيم على نحو ما اعتاده الجاهليون في كلامهم، للمحافظة على النغم الجميل الذي يُحدثه الجرس الموسيقي للكلام المسجوع، وهو الجرس الذي يتناغم مع العواطف التي تجيش في القلب والوجدان والروح، وتستلزمها ترانيم الصلوات والدعوات والابتهال، مثلما كان شائعا به العمل في طقوس الجاهلية والنصرانية واليهودية، والحقيقة تخالف ما ذهب إليه زكي، لأن القرآن الكريم لم ينزل ليداعب العواطف والنفوس ويدغدغها ويستولي على مشاعرها الغنائية في تراتيل الصلوات والدعوات، وإنما نزل ليخاطب العقل قبل الوجدان والعواطف والروح، فقال في مبتدأ التنزيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، (العلق: 1- 4).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!