-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
القرآن كلام الله المنزّل من السّماء

الحلقة (8): رؤية الله.. بين الدّنيا والآخرة

خير الدين هني
  • 660
  • 0
الحلقة (8): رؤية الله.. بين الدّنيا والآخرة

لما كان عالَم الغيب محكوما بقانون فيزيائي خاص به، ويدل عليه ما ورد في القرآن الكريم من أن أهل الجنة يُبعثون على هيئات مختلفة عن هيئاتهم في الحياة الدنيا، فهم مخلدون في نعيم سرمدي لا موت فيه ولا سقم ولا شقاء ولا فناء، وهم على هيئة واحدة وصورة جمالية واحدة، وعمر واحد، ولا يتمخطون ولا يتبولون ولا ينامون ومجردون من مشاعر الكراهية والبغضاء والحسد والغيرة ومن كل صفة أو خلق مستقبح، وأهل النار مخلدون في العذاب الأبدي من غير موت ولا فناء.. وهذه الحياة المذكورة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، هي الشاهد على أن عالم الغيب تحكمه قوانين غير القوانين التي تحكم أجسادنا وحياتنا في هذه الدنيا.

ولكي يقرب الحق سبحانه واقع الغيب للمؤمنين والكفار، استعمل قياس التمثيل في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، كيما يقرب للبشر واقع الحياة الأخرى، لأن السنة النبوية ليست من أفكار النبي -صلّى الله عليه وسلّم- وخياله، إنما هي وحي من الله تعالى، وهذا ما وَهَل إلى خيال سيدنا موسى -عليه السلام- حين سأل الله -سبحانه- أن يراه، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين﴾ (الأعراف: 143)..

ظن أنه بخلقته الجسدية الدنيوية، يمكن أن يرى الله -سبحانه- رؤية عين كما يرى سائر الأجسام الموجودة في عالم الحس، ولكن الله -سبحانه- كما عوّد البشر على استعمال العقل والنظر والتدبر في أي أمر يعرض لهم، قال يا موسى إن تكوينك الجسدي والعقلي والنفسي لا يقدر عل رؤية ذاتي التي لا يشبهها شيء، مما تعودت على رؤيته أو تخيله أو تصوره، لأن جسدك مُصمَّم لرؤية الأجسام العادية الموجودة في الحياة الدنيا، وأنا الله لا إله إلا أنا ليس كمثلي شيء مما رأيته أو خطر على بالك.

ولم يترك الحق سبحانه نبيه وصفيه في حيرة وقلق دائمين، لأنه -تعالى- يعلم بأن الإنسان فضولي ويريد معرفة أي شيء إما بالمعاينة الحسية أو بالرهان والدليل والتجربة، ولذلك قدم له الدليل على استحالة رؤيته سبحانه، فقال له: ﴿لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾ صُعق موسى -عليه السلام- من رؤية المتجلّى عليه، الذي هو الجبل الذي لا روح فيه ولا حياة ولا إحساس ولا إدراك، فلما رأى ذلك استيقن من عدم رؤيته للذات الإلهية العليّة، لأن تكوينه الجسدي لا يقدر على ذلك، ولذلك أسرع إلى الاستغفار وإعلان توبته السريعة.

ولكن الأمر في الآخرة يختلف حينما تكون أجسامنا محكومة بقانون عالم الآخرة، ومهيأة لرؤيته سبحانه، فيكافئ الله -تعالى- عباده المؤمنين برؤيته، لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، (القيامة: 22، 23)، وفي قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، (يونس: 26)، فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي رؤية الله سبحانه بعد الدخول إلى الجنة. ثبت عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- في شرحه لهذه الآية، أنه قال: “فيكشفُ الحجاب، فينظرون إلى الله، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة”، (مسلم، الترمذي، وابن ماجه).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!