الجمعة 20 سبتمبر 2019 م, الموافق لـ 20 محرم 1441 هـ آخر تحديث 14:26
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق
ح.م

يُعدّ الطبيب الفرنسي غوستاف لوبون (1841م-1931م) من أشهر المؤرّخين الأوروبيين الذين اهتمّوا بعلم الحضارات، ومن الذين تواضعوا- وبكلّ موضوعية- للاعتراف بفضل الحضارة الإسلامية على العالم الغربي، وكان من أشهر مؤلفاته في علم السّلوك الجماعي وعلم النّفس الاجتماعي، والذي ارتقى به إلى أسمى مراتب السّمعة العلمية والعالمية، كتاب: سيكولوجية الجماهير، أو علم نفسية الجماهير، الذي صدر سنة 1895م، وتُرجم إلى لغاتٍ عدّة، لاتّسامه بالعقلانية والمنطقية.

الأكيد أنّ قراءة الكتاب لا تعطي حلولاً سحرية في كيفية التعاطي مع الجماهير، ولكنها تفتح عقول الباحثين والسياسيين على هذا النوع من العلوم الاجتماعية بما يساعدها على التعرّف على نفسيات الشّعوب، للتأثير فيها والانجذاب لها، بمعرفة خصوصية العقائد والثقافات والقوانين التي تخضع لها. ويتحدّث الكاتب عن كيفيات تحريك الجماهير والتحكّم فيها والسيطرة عليها وتوجيه السّلطة لها، سواءٌ كانت سلطةً سياسيةً أو إعلاميةً أو اجتماعية، على اعتبار أنّها تتعرّض إلى تركيزٍ مكثّفٍ من الأفكار والمعتقدات الممارَسة عليها، فتقوم بسلوكاتٍ مفاجئةٍ أو غير متوقّعة، بسبب ما تستقبله من المحرّضات من المحيط المؤثّر عليها لإخراجها من منطقة الوعي، فتؤدّي إلى إثارة مشاعرها، وتفجير الأفعال اللاّإرادية لها. ويرى بأنّنا لا نستطيع تحريك الجماهير إلاّ عن طريق عاطفتها، وخاصة عاطفتها المتطرّفة، ولذلك يصعب على العقلانيين أو الحياديين أن يجدوا لأنفسهم مكانًا بين هذه الجماهير، وهو ما يفسّر صعوبة إقناعها بالمُحاجّات العقلانية، مقارنةً مع المُحاجّات العاطفية، وهي من صور أزمة المثقّف مع مجتمعه، وأنّ الغريزة الثورية وحبّ الانتماء إلى قضيةٍ ما تبقى مهيمنة على هذه الجماهير بشكلٍ كامل، وهو ما يتطلب نقل الأفكار إلى العقل اللاّوعي حتى تتحوّل إلى عواطف ناطقة للاقتناع بها، لاعتقاد البعض بأنّ العاطفة في صراعٍ أبديٍّ ضدّ العقل. ولقد لعبت الجماهير أدوارًا مهمّة ومحوريةً في صناعة التاريخ وتغيير عجلته، ولا تزال، وأنّ نضالها هو القوّة الوحيدة التي لا يستطيع أن يهدّدها شيء، وهي القوّة الوحيدة التي تتزايد هيبتها وجاذبيتها باستمرار، وهو ما يفرض علينا الحاجة إلى دراستها، لمعرفة أهمّ مفاتيح استراتيجيات السيطرة عليها وتوجيهها، في ظلّ الثورات الشّعبية التي تجتاح المنطقة، وكيف تشتغل “الثورات المضادّة” للانحراف بها والالتفاف على مطالبها وتضييع فرصة التغيير منها. ومن أخصّ خصائص الجماهير هي سرعة انفعالها وتأثّرها وسذاجتها وتصديقها لأيِّ شيء، فهي تميل إلى سرعة الغضب والقابلية للتّحريض والمبالغة في العواطف، بسبب خضوع الفرد- ضمن الجماعة- إلى تفكير العقل اللاّواعي، فيقع في الطيش وخفّة العقل، وتتلاشى شخصيته الّتي تميّزه، فتنعدم خصوصية ذكائه ومِيزة علمه التي تمكّنه من اتّخاذ القرارات المنطقية والسليمة، ويكون الضميرُ الجمعي المفكّرُ عندها في حالة تخدير، فيستوي عندها- وضمن هذه الجماهير- العالِم والجاهل، ويسقط الجميع في مصيدة “حرب النّفسيات والمعنويات والإشاعات”، فتنتقل عدوى العواطف والأفكار بين الجميع، لعدم خضوع المعلومة إلى مصفاة العقل، واستسلامها أمام العاطفة، وخاصّة في لحظة الأزمات والتوتّرات وتضارب المعلومات. إنّ هذه العدوى من الأفكار والعواطف تملك قوّةً مخيفة، تجعل الجماهير تخضع لها خضوعا أعمى، لا يمكن تخيّل مفعولِها السّحري على الفرد ضمن هذه النّفسيات المتصاعدة للجماهير، تجعله مستعدًّا للتضحية وارتكاب أيِّ سلوكٍ عدوانيٍّ أو انتقاميّ أو تخريبي لا إرادي، وخاصّة أمام كلِّ مَن يعتقد أنه مخالِفٌ له أو متآمرٌ عليه، على اعتبار أنّ الفرد المنضوي ضمن هذه الجماهير يكتسب بواسطة هذا العدد المجتمِع شعورًا عارمًا بالقوّة، وهو ما يجعله ينصاع إلى غرائزه التحريضية على أفعاله وردود أفعاله، وخاصّة عندما تضيع المسؤولية الرّادعة في هذه الأجواء الجماعية.

ويرى الكاتب أنّ الفرد المنخرِط في الجماهير يكتسب خصائص أساسية ينزل بها في سُلّم الحضارة، وهي: تلاشي الشّخصية الواعية، وهيمنة الشّخصية اللاّواعية، والتوجّه الجماعي في نفس الخط بواسطة التحريض وعدوى الأفكار والعواطف، وتحويل الأفكار المحرَّضِ عليها إلى سلوكاتٍ وممارساتٍ مباشِرة، فيفقد الاستقلالية والإرادة التي يقود بها ذاته. ثم يتحدّث الكاتبُ عن محرّكي الجماهير، والأساليب التي يستخدمونها للتأثير فيها، فيرى بأنه ما مِن تجمّعٍ حيواني أو بشري إلاّ ويخضع -غريزيًّا- إلى سلطة القيادة والانصياع إلى الزّعيم، المحرّك للجماهير والقائد لها، وهو لا ينتمي -عادةً- إلى قادة الرّأي والفِكر، بقدر ما يرْشَح من النّشطاء ورجال الممارسة، إلاّ أنّه يملك إيمانًا قويًّا وعاطفة مكثّفة، تمكّنه من القوّة التحريضية الكبيرة، وأنّ من أهمّ الوسائل العميقة له في التأثير وبناء القناعات، هي: أسلوب التأكيد، والتكرار، والعدوَى، وهو ما تلاحظه مثلاً في الشّعارات والأهازيج والأغاني السّياسية المعبّرة والمنتشِرة بين الشباب في الملاعب، والتي كانت من الشّرارات القويّة للحراك الشّعبي، وهي من الوسائل الموثوقة لترسيخ الأفكار في روح الجماهير، وهو ما كان مستعملاً عند العرب قديمًا بما يُعرف بالحُداء، وهو فنٌّ عربيٌّ عريق، فلا تخلو قافلةٌ من حادٍ يُطرِبُها بنغماته، ويلهب بها حماس السائرين، ويحرّضهم على الإقدام، ليُحِيل السّفر متعةً، وإنْ كان قطعةً من عذاب، وهو الفنّ الذي أقرّه الإسلام، في الانتقال بالإنسان من عالَم الحسّ والرّوح الغيبي إلى عالَم الجهاد والإنجاز الواقعي، فكان حُداء الصّحابيِّ “عامر بن الأكوَع” رضي الله عنه في غزوة خيبر، وهو ينشِد للمجاهدين: (واللهِ لولا اللهُ ما اهتديْنا *** ولا تصدَّقْنَا ولا صلَّيْنَا). ما مِن ثورةٍ شعبيةٍ مباركةٍ إلاّ وتنبُت معها نبتةُ سوء، وهي: الثورة المضادّة، كأحد مخرجات الأنظمة الشّمولية التسلّطية الخبيثة، وهي لا تتوقّف عن أساليب المكر والخِداع، للتحكّم والتأثير والتوجيه للجماهير، وهي ما يلخّصها المفكّر الأمريكي “ناعوم تشومسكي” في عشر استراتيجيات، ومنها:

– إلهاء الشعوب وإغراقهم بالكثير من وسائل الدّعاية والترفيه، لتحويل أنظار الرّأي العام عن الخوض والمتابعة للقضايا السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية الحقيقية.

– اختلاق الأزمات وفي نفس الوقت تقديم الحلول المَدْروسة لها مسبقًا لصناعة بطولاتٍ وهمية للمخلِّص الفرد.
– إثارة عاطفة الشعوب أكثر من عقولها حتى يتحرّك الشُّعور اللَّاواعي، فيتم بذلك وَأْد التَّفْكير العقلاني والانتقادي.
– إستراتيجية التَّدرُّج في الاستجابة، وكأنّ الشّعوب في حالةٍ من التنويم المغناطيسي.

– التضليل الإعلامي ونشر الجهل والسّعي إلى تزييف الوعي وتوسيع الفجوة بين النُّخْب والشّعوب.

– تَوليد الشّعور لدى الأفراد بأنّهم هم المذنبون والمتورّطون والمسؤولون عن مصيرهم وفشل حياتهم، وليست الحكومات… وهناك أساليبٌ خبيثةٌ أخرى، ومنها: المحاولات المستميتة لإشاعة الخوف ورفع منسوب الحاجة إلى الأمن، للتنازل عن الديمقراطية.

– تكثيف التضليل الإعلامي بالدّعاية لقضايا ثانوية وإلهاء الرّأي العام عن القضايا الجوهرية والمطالب الحقيقية.
– استهداف الرّموز والقيادات لتصحير السّاحة واغتيال البدائل.

– صناعة عدوٍّ داخلي وهميٍّ وتضخيم الخطر الخارجي.

– التضحية بوجوهٍ فاسدة للتغطية عن وجوهٍ فاسدةٍ أخرى وصناعة بطولات شخصية. كلُّ ذلك يتمّ في إطار سيكولوجية الجماهير لإجهاض الثورات الشّعبية السّلمية.

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close