-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الخُلُق السياسي

عمار يزلي
  • 458
  • 0
الخُلُق السياسي

ما يميِّز التحوُّل السياسي عندنا في ممارسة السياسة، هو التوجه نحو أخلقة هذا الجانب الممارساتي للفعل السياسي الذي كان مغيبا عندنا طوال عقود.

الجانب الإنساني، صار متلازما مع التدخلات من أعلى المستوى حتى في مسائل كان يمكن أن تكون من اختصاص المحلي: شاهدنا مرات ومرات تدخل السيد رئيس الجمهورية شخصيا عبر إعطاء أوامر وتوصيات للوزارات المعنية وللولاة، بغرض التكفل بمواطنين أوصلوا صرخاتهم اليائسة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر قنوات التلفزيون: لم يكن هذا التدخل من طرف الرئيس شخصيا منحصرا في أسماء فنية ورياضية، أي من أسماء ذات حضور”مرئي” حاضرا كان أم سابقا، بل تجاوزته إلى مواطنين بسطاء “غير مرئيين” إعلاميا، مهمشين اجتماعيا لسنوات ولعقود. رد الفعل كان سريعا في كل الحالات: تتدخل الجهات المعنية عبر الولاة والوزارات على الفور بأوامر رئاسية فورية. أغلب هذه الحالات كانت حالات تتعلق بظروف صحة ووضع اجتماعي لا يطاق.. كالسكن مثلا.

آخر هذه الالتفاتات الإنسانية ورد الفعل السريع على نداء وصرخة ومناشدة من نوع “وامعتصماه”، كانت للفنان حزيم من مستشفى عين تموشنت. مناشدة الفنان لوزارة الثقافة وللسيد الرئيس شخصيا، لم تكن بلا جدوى، بل على العكس تماما: تحركت الولاية بأمر من رئيس الجمهورية شخصيا، وفي اليوم الموالي كانت الفنان حزيم يُنقل على جناح السرعة إلى المستشفى العسكري الجامعي بوهران مع التكفل التام بكل ما يقتضيه وضعه الصحي. التفاتة طيبة وإنسانية سريعة، لم نعهدها من قبل ولعشرات السنين.

لماذا أذكر هذا التفصيل في هذا العمود؟ لأن الجديد والجدية في شعار الجزائر الجديدة، بدأ رئيس الجمهورية شخصيا في إعطاء وتجسيد الدروس لها عبر أخلقة العمل السياسية وأنسنته، خلافا لما كان سائدا من قبل.

في السابق، وأتحدث هنا عن 20 سنة التي سبقت التغير السياسي الجديد، لم يكن أحدٌ من أعلى المسئولين يسمع بفنان أو رياضي مريض أو اسم مشهور، لم نكن نسمع بتعازي الرئيس والوزير الأول والوزراء ولا حتى الولاة أحيانا، في فنانين توفوا ورياضيين رحلوا وأدباء انتقلوا وحتى مجاهدين ورجال السياسية المؤسسين، وكأنّ الحدث كان “لا حدث”. كانت القصص والسرديات التي تنشرها الصحف الوطنية كثيرا ما تقابَل بالازدراء، كون المقال النقدي لا يسمن ولا يغني من جوع، لا يؤثر في أحد إلا في كاتبه. فالمجوعة محمية من “عصابات” في كل المجالات بدءا من أعلى القمة ونزولا إلى البلدية. الشكاوى والرسائل “المفضوحة” لم تكن تصل حتى ولو نُشرت، لا يصل صداها حتى إلى ديوان الوالي. كان الخبر عن الفساد أو خبر عن المفسدة لا يحرك لمسئولٍ ساكنا.

لأول مرة، صرنا نتابع ما يتابعه رئيس الجمهورية الذي يتأثر بما يتأثر به المشاهد ويتدخل فورا بأوامر وتعليمات وتوجيهات يسديها شخصيا مع أن كثيرا من التدخلات كثيرا ما كان ينبغي أن تكون من صميم عمل الوالي مثلا. الهدف من هذا، ليس الظهور بمظهر “المعتصم”، وحتى المتابع الدائم والشامل للشأن السياسي والاجتماعي في البلد من طرف الرئيس، بل هي شكلٌ من شكل التثقيف والتربية والتعليم.. تعليم وتلقين الممارسة الأخلاقية والإنسانية للسياسة وربط ممارسة السياسة بالأفعال، وبالحس الإنساني أمام الشعب الذي هو مخوّل بخدمته: فكلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته. هذه هي الرسالة التي يريد رئيس الجمهورية أن يغرسها في أبجديات الفعل السياسي لدى الفاعلين السياسيين الذين تعوَّدوا للأسف أن ينظروا إلى “ما فوق” لا  إلى ما دون ذلك.

لا ننسى، أن المعتصم بالله، ولأجل نداء استغاثة من مواطنة في بيداء الوطن المفتوح، “وامعتصماااه”، دفعته إلى القسم ليفتحنّ “عمورية”، التي كان يحتلها الروم البيزنطيون إكراما لهذه المواطنة المظلومة. كان هذا في وقت لا هاتفَ محمولا كان موجودا، ولا انترنيت ولا قنوات تلفزيونية ولا وسائل تواصل اجتماعي.

هكذا، هي الأخلاق السياسية..  من الخُلُق السياسي الذي يجب أن يتخلق به كل سياسي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!