الخميس 19 سبتمبر 2019 م, الموافق لـ 19 محرم 1441 هـ آخر تحديث 23:36
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

الدولة الحضارية هي البديل…

سليم قلالة أستاذ جامعي
ح.م
  • ---
  • 10

 سواء أكانت “دينية” أم “مدنية” أم ” عسكرية” أم “عربية” أم “أمازيغية” أم “وطنية”… تبقى الدولة بتصنيف كهذا دولة عرجاء، ولن تستمر في الزمن إلا لمدة قصيرة تنهار بالضرورة بعدها، ذلك أن استمرار الدول حتى وإن كانت بإحدى الصفات آنفة الذكر كان مرهونا بمدى تشكلها في نطاق حضارة. الدولة العصرية الأوروبية ما كان لها لتستمر في عصرنا الحالي لولا الصبغة الحضارية الإغريقية- الرومانية التي مازالت تُغلِّفها إلى اليوم، مُضافا إليها البعد العبراني في العقود القليلة الماضية لتبدو أكثر تماسكا، خاصة بعد المصالحة التاريخية بين اليهودية والمسيحية وتبرئة اليهود من دم المسيح- عليه السلام- بعد 20 قرنا من الصراع. وكذا الأمر بالنسبة إلى تجديد الدولة الروسية اليوم التي أوجدت لنفسها غلافا حضاريا يستمد جذوره من الخبرة الروسية العريقة، سماه الإسكندر دوغين، مستشار الرئيس بوتين، بالنظرية السياسية الرابعة. الأمر ذاته، بالنسبة إلى الصين وتركيا وإيران وإندونيسيا وماليزيا والهند… التي سعت كل واحدة منها إلى تأطير نفسها حضاريا، سواء حَكَمها ساسة رجال دين أم مدنيون أم عسكريون (روسيا أنموذجا).

وفي تاريخ المغرب الإسلامي، لم تكن الدول المتتابعة، ومن بينها الأمازيغية الصميمة لِتستمر، من مُرابطين ومُوحدين ومرينيين التي حكمها قادة علماء سياسيون وعسكريون، لولا إصرارهم على الطابع الحضاري للدولة في نطاق فلسفة الدولة عند المسلمين التي أوضح معالمها علماء السياسة المغاربة، كابن الأزرق والطرطوشي والمقري وآخرين..

وفشلت كل من الدولة المدنية والعسكرية في العالم العربي والإسلامي، بل وفي كل الجنوب المُهيمَن عليه في القرنين الماضيين، لأنها إما كانت دول مذهبية أو قومية أو عرقية تابعة للإطار الحضاري المُهيمِن كالرأسمالية أو الاشتراكية خاصة بعد استعادة الاستقلال السياسي.

ولم تتمكن هذه الدول إلى حد الآن من طرح فكرة بناء نفسها في نطاق الحضارة رغم كل الانتكاسات التي عرفتها، ورغم تنبيهات مالك بن نبي الواسعة إلى كون المشكلات التي عشناها سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية إنما هي بالأساس مشكلات حضارة كامنة في طبيعة الإنسان الذي لم يفهم المعادلة الحضارية التي تُشكِّل محيطه.

لذلك، فإننا في هذا الظرف بالذات أحوج من أي وقت مضى إلى إعادة بناء فكرنا وتنظيم مطالبنا وشعاراتنا السياسة ضمن هذا المنظور الحضاري، وإلا فإننا بدل أن نجعل الدين والمدنية والعسكرية والأمازيغية والعربية والوطنية روافد لبناء دولة الحضارة، التي هي بالضرورة دولة حق وعدل، نجعلها مَعاول لهدم هذه الدولة.. ولن نتمكن من بنائها بأي شكل من الأشكال. وبدل ذلك سنجد أنفسنا في آخر المطاف منقسمين إلى فِرقٍ شتى، كل يرى نفسه الأصل الذي ينبغي أن يتحول إلى منبع الحضارة وما هو كذلك، فتتشتت القوى ويتمكن التيار الدخيل المؤمن بتغريب الجزائر من أن ينتصر، وهي الغاية التي فشلت فيها قوى الاستعمار القديم بواسطة التجذر الحضاري العميق لآبائنا وأجدادنا، وينبغي أن تفشل في تحقيقها القوى المؤيدة بوعي أو بغير وعي لهيمنة الحضارة الغربية الإغريقية-المسيحية- العبرية اليوم… ونتحمل جميعنا مسؤولية كشف أذرع هذه القوى، وعلينا منعها من الامتداد إلى بلادنا مهما كانت اللافتة التي ترفعها مدنية – عسكرية- دينية- أمازيغية- عربية وطنية، إذا كانت خارج المنظور الحضاري… ذلك أن كل هذه اللافتات يمكنها أن تكون جامعة مُوحِّدة إذا ما غَلَّفها الوعي الحضاري، أو تكون مُحَطِّمة لبعضها البعض، مُقَوِّضَة لأركان الدولة إذا ما رُفعت خارج نطاق هذا الوعي، أو إذا صَبَّتْ في مجرى سياسات الحضارة الإغريقية الرومانية العبرية الفاوستية المهيمنة اليوم…

مساحة أمل

مقالات ذات صلة

  • كيف وصلت علوم الأقدمين الى أوروبا؟

    1- كابوس الذّاكرة في القرن الثَّاني عشر كتب المؤرّخ المسلم أسامة بن منقذ خبرًا نشر ذعرًا كبيرًا في الشّرق الأوسط آنذاك. يقول الخبر أنَّ طبيبًا مُسلمًا…

    • 1037
    • 2
  •  المهمّ أنّ المواطن يستفيد !

    قرار استيراد السيارات أقلّ من 3 سنوات، لفت الاهتمام وأولوية النقاش، لدى العديد من المواطنين والخبراء والاقتصاديين.. فبين مرحب ومشكك ومتسائل ومتخوّف ومتوجّس ومتفهم ورافض،…

    • 506
    • 2
600

10 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • ازواف

    نريدها دوله الديموقراطيه والحريات تتعايش فيها كل الديانات دوله الحق العداله مستقله وفوق الجميع دوله العلم المناصب حسب الكفاءات دوله تحترم فيها الثقافات المختلفه المشكله للوطن دوله متفتحه غلي العلوم والتكنولوجيه لا لتسييس الدين دوله تحترم فيها الاقليات حسب قانون يحميها هدا هو ما يصبو اليه شباب الحراك لا للاقصاء لا للتطرف الديني اللغوي لا للجهويه

  • صالح بوقدير

    جعل المتناقضات شيئا واحدا لم يقل به أحد غيرك ألم تقرأ قوله تعالى:
    “وما يستوي الاعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الاحياء ولا الاموات “

  • ياسين

    موضوع في الصميم…فهذا ما كنت أفكره هذا الصباح حيث لاحت في فكري هذه الفكرة أنه لا يجب أن نفكر بمنطق “دولة مدنية” أو “دولة عسكرية” بل يجب أن نفكر بالدولة الموحدة التي لا فرق فيها بين العسكري أو المدني لأن ما يجمعهم واحد كما في زمن “دولة المدينة” حيث لم يفرق المسلمين الآوائل بين “المدني و العسكري”؟ و ما الدول الحديثة إلا نموذج لذلك فقط أننا لا نرى سوى السياسي و لا نرى العسكري لكنهم كل متكامل لخدمة دولهم بالمفهوم الحضاري…؟؟؟ فهل نعي خطورة الوعي الأعرج الذي أرادت مراصد الاستعمار إقحامنا فيه لخلق الصراع بين المدني و العسكري ليخلو له الجو؟؟؟

  • ثاء

    و عندها لن يبق امام العرب الاّ ان يلجؤا الى سكان جهنم الذين امتلكوا العلم والصناعة والتكنولوجيا كي يمدوهم بكل مستلزمات الحياة التي لايستطيعون العيش بدونها وسيفرض الكفار شروطهم القاسية والثمن الذي يريدونه ويعودون للتحكم بمصير العرب كما كانوا يفعلوا في الدنيا وهكذا عدنا يا ربّ كما وصفتنا بقولك :
    { ومن كان في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى و أضل سبيلا..}

  • العربي

    إن كنت مسلما على الحقيقة فقد ضيقت على الإسلام بمفهوم الدولة الدينية و وتجاهلت الحضارة الإسلامية ودورها في تطور ورقي العالم “المتحضر” كما تصفهم. هل تعرف يا استاذ شريعة الله في خلقه ؟ هل تعرف السياسة الشرعية ؟ هل تعرف الاقتصاد الإسلامي ؟ هل تعرف تنظيم العلاقات الاجتماعية الإسلامية؟ هل نسيت التاريخ الإسلامي المجيد والطويل ؟ عن أي منظور حضاري تتكلم : هل تعني أننا جربنا الإسلام ولم ينجح ؟ ما الذي تريد أن تقوله من كلامك؟ هل نزل وحي جديد وكتاب عنوانه “المنظور الحضاري” أليست الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية واللادينية سبب خراب العالم؟ هل المسلمين عاجزين عن التطور والرقي أم مقهورون مستضعفون؟

  • جزائري

    شرط الدولة الحضارية هو الإنسان المتحضر. الحقيقة وبكل اسف ومرارة عنصر التحضر غير متوفر عند الغالبية الساحقة من الجزائريين. اعني بالتحضر ان يحترم كل شخص الاشخاص الاخرين. هذا غير موجود في مجتمعنا. نحن في مجتمع جوعان حضاريا. بمجرد أن يمنح الله سيارة لأحد منهم يبدا في التجبر على غيره وكأنه يقول لقد اتيته على علم مني اعتقادا منه أنه اصبح يحق له أن يحتقر غيره وقس على ذلك.

  • عبد الحكيم بسكرة

    نطالب بدولتنا دولة الجزائر المستقلة حسب ما نص عليه بيان اول نوفمبر ( اي بمعنى دولة شعبيةديموقراطية في اطار المبادئ الاسلامية ) بمعنى انها دولة تستمد قوتها من قوة الشعب الابي العريق الموحد بكل اطيافه كالبنيان المرصوص ” إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ” لا فرق بين عربي و لا امازغي فكلنا عربنا الاسلام و وحدنا الاسلام نريد دولة العدالة و ان نعيش احرارا , لا نريد تسلط السلاطين علينا او عسكرة الدولة فالعسكر مهامه حماية الوطن كل اجدادنا حرروا البلاد من الاستدمار

  • محمد ف

    لهذا يجب على النخبة المخلصة لهذا الوطن، مهما كان موقعها ومجال اختصاصها، العمل الجاد والمتواصل على تفعيل دور العامة دون احتقار أو استعلاء، ولو جزء منها، بالطرق التقنية المناسبة وإشراكها في مشروع بناء الوطن حتى يتم تبنيه من الجميع وبالتالي يصبح بناء مستقبل الوطن وحمايته والتضحية في سبيل ذلك شأنا عاما، ولن يحافظ الوطن على بقائه إلا أن يكون ذلك شأنا عاما وعاما فقط وليس شأن نخبة مهما كانت طبيعتها، لأنها لن تستطيع ذلك مهما زعمت ذلك صدقا أو ادعاءً.

  • جزائري حتى النخاع

    دولة حضارية تعني شعب متحضر و متقدم فكريا فكيف في مجتمع شعبه يرمي النفايات عبر النوافذ من اجل ان يثبت للاخريين انه باستطاعته شراء لان لديه المال و نجد هذا خاصة في الاحياء الشعبوية و السبب يرجع لكون الحكومات السابقية لعبت على وتر الشعبوية اكثر مما ينبغي عبر وسائل الاعلم المكتوبة,الصوتية,المرئية و وسائل التواصل الكونهم اناس ذو مبادئ و عديمي الفكر و المنطق.و الحكومة هي من دفعت شعبها للجوء الى الرشوة من اجل الحصول على حقوقه بسبب تماطل عدة قطاعات في جل الوزارات.
    و يقاس مستوى تقدم دولة و تطورها بمستوى ثقافة و تفكير و انفتاح شكعبها. لذا فكفى من هذه المواضيع التي مستحيل ان تتجسد على ارض الواقع.

  • الله غالب

    الاخ سليم رغم انك استاذ جامعي و تتكلم فى امور غير قابلة للتطبيق مرة تتكلم علي نموذج يباني مرة صيني ونسيت انك فى جمهورة لا ملكيه ولا دستوريه لا يوجد لا تصنيف غير جمهورية عصابتية لتزيد الطين بلة و المرض علة دولة حضارية !!؟؟ دولة بدون رئيس اكثر من من نصف سنة اولا الرجل المناسب فى المكان المناسب ثم يسهلها ربي لا تنقصنا اقتراحات غير قابلة للتطبيق

close
close