-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الدولة في فكر الشيخ محفوظ نحناح

ناصر حمدادوش
  • 608
  • 0
الدولة في فكر الشيخ محفوظ نحناح

لا يزال سؤال الدولة يُطرح في محراب الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، ذلك أنَّ مسألة الدولة لم تكن مطروحةً بحدَّةٍ قديمًا، على اعتبار أنَّ الخلاف التاريخي كان على السلطة وليس على الدولة.
والهدف من الوقوف عند إشكالية مفهوم الدولة الوطنية الحديثة مرتبطٌ أساسًا بمنهج الإصلاح والتغيير، والتطلع إلى آفاق النهضة والحضارة، وخاصة في سياق المقارنة بين سقوط الخلافة الإسلامية رسميًّا سنة 1924م وبين التقدم المذهل للحضارة الغربية، بعد الاحتكاك المباشر بينهما في ظلِّ موجة الاستشراق والاستغراب والاحتلال الغربي للدول العربية والإسلامية.
لقد تمَّ طرح السؤال الأكثر استفزازًا للعقل الإسلامي، وهو: هل تُعدّ الدولة الوطنية -كظاهرةٍ تاريخية وسياسية- بديلاً عن نموذج الخلافة الإسلامية، وازداد التحدي الفكري أكثر أمام استحقاقات الحركة الإسلامية المعاصرة، وخاصة ذات البُعد الأممي العالمي، مثل: جماعة الإخوان المسلمين، وهو تحدي التوفيق بين الدولة الوطنية وسيادتها على مستوى القُطر، وبين طموح الخلافة الإسلامية وعالميتها على مستوى الأمة، وخاصة أنَّ النُّخب الإسلامية المعاصرة تُحمِّل العامل السياسي ونموذج الدولة وشرعية السلطة المسؤولية عن مدى تقدُّم المسلمين في العصر الحديث أو تخلُّفهم.
وقد جمع أحدُ المتخصصين نحو 140 تعريف للدولة، وهي تدور على معنى: “وجود شعبٍ منتظم، تنبثق عنه سلطةٌ سياسية، لها القدرة على تشريع القوانين من أجل تنظيم حياة المجتمع”، فهي كيانٌ سياسي يقوم على الأرض والشعب والسلطة، وبالتالي فهي أعمُّ من النظام والسلطة والحكومة.
ومن المفكرين الإسلاميين الأكثر جدلًا في الاجتهاد السياسي الإسلامي المعاصر الشيخ محفوظ نحناح عليه رحمة الله، وخاصة أنه كان على موعدٍ مع القدر في هذا الاجتهاد فيما تعرَّضت له الدولة الجزائرية بسبب المأساة الوطنية في تسعينيات القرن الماضي، وما كان يهدّدها من الخطر عليها عبر شراسة العنف من أجل الوصول إلى السلطة أو من أجل البقاء فيها، وهو ما هدَّد هذه الدولة في كيانها وسيادتها ووحدتها.
وهو ما يفرض علينا الوقوف عند مسألة الدولة في فكر الشيخ نحناح في الذكرى الـ21 لوفاته (19 جوان 2003م). لقد صَدَّر الشيخ نحناح كتابه “الجزائر المنشودة” بإهداءٍ فيه من الرسائل السياسية ما يؤسِّس لنظرته إلى مفهوم الدولة، وهو يشير إلى ثقل الانشغالات الكثيرة وسط الفتنة التي أصابت شعبنا ووطننا ودولتنا، فقال عن إهداء هذا الكتاب: “هو إلى حماة الشعب من التجزَّؤ، وإلى حماة الوطن من التفتيت، وإلى حماة الدولة من الانهيار..”.فما هي ملامح الدولة في الفكر السياسي الإسلامي للشيخ محفوظ نحناح عليه رحمة الله؟
1- تعزيز مفهوم الدولة الوطنية: فمن المفاهيم النظرية والممارسات الواقعية للشيخ نحناح عليه رحمة الله هو الحسم في مسألة الانتماء إلى الدولة الوطنية الجزائرية، وولائه المطلق إليها، والتأسيس لمفهوم الوطنية والمواطنة فيها، وهو يستمدُّ مرجعيته في ذلك من رائد النهضة الجزائرية، الشيخ عبد الحميد ابن باديس عليه رحمة الله في مقولته الخالدة، عن سيادة الدولة واستقلالية الأمة الجزائرية: “إنَّ هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت..”، كما يستمدُّها من الوثيقة التأسيسية التاريخية للدولة الوطنية الجزائرية الحديثة، وهي بيان أول نوفمبر، والذي جعله من المرجعيات الأساسية له في الاجتهاد السياسي، ومنه الهدف الداخلي للبيان، وهو: إقامة دولة جزائرية ديمقراطية، اجتماعية ذات سيادة، في إطار المبادئ الإسلامية”.
ويرى الشيخ بأنَّ المعيار الفيصل بين التيار الاندماجي الاستعماري والتيار الوطني لا يتمثَّل في الموقف من قضية الاستقلال عن فرنسا وإقامة الدولة الجزائرية ذات السيادة فقط، بل يتعدَّاها إلى الخلفية الفكرية والإيديولوجية التي يقوم عليها هذا الموقف، إذْ أنَّ التيار الوطني المتمايز عن التيار الاستعماري يرى في هذا الكيان (الدولة الجزائرية) شعبًا مكتمل الشخصية، واضح الهوية، مميز الخصائص والصفات، وأن النتيجة الطبيعية لذلك هي حقُّ هذا الشعب في تقرير مصيره وتسيير شؤونه من دون وصاية. ويتحدَّث الشيخ في كتابه “الجزائر المنشودة” عن “الإيديولوجية الوطنية” المدافعة عن الشخصية الوطنية الجزائرية، وعن الهوية المستقلة للشعب الجزائري، وعن التأكيد بلا مللٍ أو كللٍ بأنَّ الجزائر وُجدت كدولةٍ مستقلةٍ منذ مئات السنين، وأنها شكَّلت وحدة متراصّةٍ عبر العصور، فقال: “قام المشروع السياسي الوطني على مبدأ الاستقلال التام والكامل عن فرنسا، وعلى السعي لبناء الدولة الوطنية ذات السيادة..”.
إيمان الشيخ بالجزائر كدولة، جعله يستشهد في كتابه “الجزائر المنشودة” بمقولة المرحوم “سليمان عميرات”: “لو خُيِّرت بين الجزائر والديمقراطية لاخترت الجزائر”، وعلق الشيخ على ذلك بقوله: “فماذا تساوي الديمقراطية عندما تضيع الجزائر؟”.

يؤمن الشيخ نحناح بالمبادئ الكبرى التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، كمبدأ “أنَّ الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطة في الدولة”، وأنَّ من شروط الوصول إلى الديمقراطية الحقيقية أن تكون الإرادة الشعبية المعبَّر عنها من خلال الانتخابات الحرَّة والنزيهة هي السبيل الطبيعي والقانوني الوحيد للوصول إلى السلطة أو الخروج منها.

2- التأكيد على الشرعية السياسية للسُّلطة داخل الدولة: يؤمن الشيخ نحناح بالمبادئ الكبرى التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، كمبدأ “أنَّ الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطة في الدولة”، وأنَّ من شروط الوصول إلى الديمقراطية الحقيقية أن تكون الإرادة الشعبية المعبَّر عنها من خلال الانتخابات الحرَّة والنزيهة هي السبيل الطبيعي والقانوني الوحيد للوصول إلى السلطة أو الخروج منها. وهو لا يسبح في خيالات التنظير لشرعية السلطة في الدولة بل مارسها في تجربته السياسية، وقد جعل من أهداف منهج المشاركة ودوافعه الفكرية، وما يهدف إلى تحقيقه من هذا الاجتهاد السياسي، هو: “المساهمة في الحفاظ على الدولة الجزائرية، ومنع بنيانها من الانهيار والتفتُّت والسقوط… ونعني بالدولة: العلم الوطني، والعملة الوطنية، والوحدة الترابية، ومؤسسات السيادة..”. وقد كان لمشاركته في الانتخابات الرئاسية سنة 1995م هدفٌ استراتيجي للدفع بهذا الاتجاه في حفظ الدولة وإنقاذ الوطن من الفراغ السياسي والمؤسساتي، فجاء في خطاب الرئاسيات قوله عليه رحمة الله: “إنَّ الانتخابات الرئاسية في اعتقادنا: فريضةٌ شرعية وضرورةٌ واقعية، وهي خطوةٌ للسَّير نحو انفراج الأزمة أو التخفيف منها، لأنَّ الوطن لا يمكن أن يستمرَّ على هذه الحال المتأزمة من دون هيئات منتخَبة..”.
3/ الشيخ نحناح وبناء ثقافة الدولة: يفتخر التاريخ السياسي المعاصر للجزائر بنماذج من الرجال السياسيين الراقين، والذين أعطوا لمفهوم “رجل الدولة” معنى، ومع أنَّ الشيخ نحناح لم يمارس أيَّ وظيفةٍ في المؤسَّسات السياسية الرسمية إلا أنه كان يتمتع بثقافة رجل الدولة، إذْ لا يُشترط في رجل الدولة أنْ يكون في السلطة أو مسؤولاً في مؤسساتها. وهناك حكمة لرئيس الجمهورية الفرنسية “ريني كوتي” (1882م- 1962م) في التمييز بين رجل الدولة ورجل السياسة، يقول فيها: “رجل الدولة يعمل من أجل بلاده، ورجل السياسة يريد من بلاده أن تفعل له شيئًا من أجله”. وهناك عبارةٌ أَطلقَها الكاتبُ الأَميركي “جيمس فريمان كلاركْ” (1810م- 1888م) جاء فيها: “الفرقُ بين رجل الدولة ورجل السياسة، أَنَّ رجلَ السياسة يفكِّر دائمًا في الانتخابات المقْبلة، بينما رجلُ الدولة يفكِّر دومًا في الأَجيال المقبلة، وأَنَّ رجلَ السياسة يعمَل لصالح حزبه أَو تياره أَو طائفته، بينما رجلُ الدولة يعمل لصالح بلاده”؛ فرجل الدولة يؤمن بالدولة، ويتكيف مع أدوارها ويعمل لها ويحفظ أسرارها، ولا يكون أسيرًا لأنانيته أو ذاتيته أو طموحاته الشخصية والحزبية والإيديولوجية الضيِّقة. وما تميَّز به الشيخ نحناح هو عدم الخلط بين قضايا الدولة ووجوب احترامها، وبين قضايا السلطة وإمكانية معارضتها ونقدها، فيعمل معها بقاعدته المعروفة: “نقول للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت”. وطالما كان من أسمى مقاصده في منهج المشاركة هو “المساهمة في الحفاظ على الدولة الجزائرية..”، ويؤكد على التدقيق، فيقول: “ونقصد هنا الدولة، لا السلطة أو الحكومة أو النظام القائم”، ومن ثقافة الدولة عنده ما يؤكد عليه دائمًا أنَّ: “الالتزام بالثوابت الأساسية والوحدة الوطنية مسألة مقدَّسة… ينبغي أن لا تكون موضع صراعٍ أو احتكارٍ أو مزايدةٍ من السلطة أو المعارضة”، وأنه “ليس من حق حزبٍ أو جماعةٍ أو تنظيمٍ أو فئةٍ أن تحتكر الإسلام أو تدَّعي التحدُّث باسمه دون سواها..”، ولطالما كان يردِّد مقولته المشهورة، والتي تعبِّر بصدق عن ثقافة الدولة: “الجزائر حرَّرها جميع المخلصين، ويبنيها جميع المخلصين”، وكان يصدح عاليًّا بقوله: “الجزائر فوق الرؤوس والرؤساء”.
ومن ثقافة الدولة لديه أنه كان أفضل سفيرٍ فوق العادة للجزائر في المحافل الدولية، دفاعًا عن الدولة الجزائرية زمن الحصار الدولي عليها سنوات العنف والإرهاب، وأنه آثر التنازل عن الفوز بالانتخابات الرئاسية سنة 1995م، ولا يزال موقفه هذا يُحفَظ له في سجلِّ “الوطنية” و”ثقافة الدولة” من طرف كل رجالات الجزائر مدى الحياة.
إنَّ الشيخ نحناح عليه رحمة الله يقول كذلك بالأصل الديني للدولة، لإيمانه العميق بالربط بين النبوّة في المرحلة المدنية وبين مأسسة فكرة الدولة فيها، على اعتبار أنَّ الإسلام ذُو طبيعةٍ سياسية وقانونية ودستورية، ومع ذلك فإنه يتجاوز بعض موروثات التراث الفقهي ليؤمن بالدولة المدنية الحديثة، والتي تقوم على قواعد الديمقراطية المعاصرة، والتي تستمد مؤسساتُها الشرعيةَ من الإرادة الشعبية، والتي تشكّل في نهاية الأمر جانبا رئيسيا من جوانب نظرية الشورى في الإسلام، وهو نحته الشيخ ضمن إبداعاته في القاموس السياسي الجزائري المعاصر بالشوراقراطية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!