الجمعة 30 أكتوبر 2020 م, الموافق لـ 13 ربيع الأول 1442 هـ آخر تحديث 17:08
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

الدّستور الجديد.. لا “النّافية” التي تعني “نَعَم”

الشروق أونلاين
  • ---
  • 10

كانت هزيمة الأمير عبدالقادر في تأسيس دولته وتحرير أرض أجداده تكمن في إذكاء “العصبيّة القبليّة” التي استطاع في نشوء مملكته أن ينتصر عليها توافقاً وتوازناً في ترتيب وظائف المُلك وتوزيع الغنيمة، ولأن عَقْد البيعة في أعناقهم من شيوخهم الرّوحيين والفقهاء الذين يُمثّلون معظم القبائل التي انضوت تحت قيادته، ولأنّ بعضاً من هذه العُروش كان مَخزَناً في العهد التركي واستفاد من البايلك وكان له الامتياز والحُكم على بقيّة من قومِهم، فكانت نظرتهم متابعة المصير إلى من يَؤول النّصر فقدّر بعض وجهائِهم ذلك ونفثوا في أتباعهم اختيار الصفّ الفرنسي، فكانت قاصمة الظّهر للأمير لأنّ بعض هذه العروش أكثر تنظيماً ومراساً في الحروب، في حين بعض العروش الأخرى التي كانت تعاني من ظُلم هؤلاء في الزمن التركي السّابق نشط مخيال الانتقام عندها، وتمّ تحريك المكمون وتغذيته وعاملت سيئاً من كان منهم القيادة والأغوات سابقاً.

ارتكب محيط الأمير من الأقارب والأصدقاء حماقات وانتهاكات منها القتل التصفية الجسدية لبعض الذين لم يحاكموا واتهموا بالخيانة مثل بلعريبي وشيخ الأمير في الفلسفة الطاهر القاضي الرزيوي، عاملان كانا أكثر فتكاً من الاستعمار الفرنسي “جاهليّة العروشيّة” و “محيط الأمير”،

سيكون العاملان بثوب آخر زمن الحركة الوطنية التي عرفت شقاقاً في بعض أطيافها السيّاسية بسبب “الأزمة البربريّة”، وقبل ذلك في المغرب كان “الظّهير البربري” الذي جعل شيوخ الدّين يقرؤون “اللّطِيفة” في المساجِد والزّوايا من أجل أن يحمي الله الأخوّة الأمازيغيّة العربيّة، في مثل هذه الأجواء نَشَط “التّأويل الفَاسِد” للتّاريخ و”لمعجميّة حضارية” تحوّلت إلى “مُعجميّة صِراعية” مثل كلمة العَرب، والبربر، والإسلام، والأمّة، والقوميّة..إلخ، وبفضل الثّورة التحريرية تمّ تأجيل ذلك، أو الأصح تمّ تخزين الخِلاف في اللاشعور أو بفعل الدّولة الوطنيّة التي لم تقدّر سياسياً واستراتيجياً خطورة ذلك وضرورة تفكيك هذه المتفجرّات التي تظهر في الأزمات.

أمّا العامل الثاني فبقي مُستمراً في هرم السّلطة بعد الاستقلال “البِطانة السّيّئة” التي تتغذّى من تعفّن الإدارة وغياب المؤسّسات الدّيمقراطية والمال الفاسد.

تُرى هل نستطيع تجاوز “المعجميّة الصّراعية”؟ ومن الفهم السّقيم للتّاريخ والثّقافة؟ وهل سيكون الدّستور الجديد مفتاحاً نحو طريق طويل من الإصلاحات تنقلنا إلى “المواطَنة” و”الوِحْدة” وتحرّرنا من “دولة الإدارة” و”التلوّث الايديولجي”؟

سنكون أمام ثلاثة أصناف يوم الاستفتاء على الدّستور، الذي هو استفتاء بالسّؤال التالي: هل أنت مع الدستور الجديد أم دستور 2016؟ إن “لا” النافية في اللغة تصبح “نعم” في السّياسة.

1- أصحاب “حمار بوريدان” الذي لم يستطع الاختيار بين جوعه وعطشه في مسافة واحدة بين الأكل والماء الذي وضعا في تباعد عن يمينه وشماله، وهم الذين يفتقدون إرادة الاختيار بين “نَعم” أو “لا”، أو بالأحرى يختارون “نعم” في الظّاهر ولكن أغلبهم من الغشّاشين والانتهازيين، ويَسعون حين تتاح لهم الفُرصة ليكونوا من “أهل الغنيمة”.

2- أصحاب “سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ” وهم أهل لا” النّافية مطلقاً”، وهؤلاء يتوزّعون بين فِرقٍ عدّة، منهم من هو قريب لـ”نعم” بواقعيّة ويحتاج حواراً وإقناعاً وإنصاتاً ممن يحسنون القول وليس زخرفه، ولا يكون من أهل “العصابة” الأولى الذين يبدلون جلودهم كالحنَشِ، ومنهم من هو بعيد عن “نعم” وتكون “لا” هي هويته الدائمة حتى ولو كانت المعجزة نزول مائدة من السّماء، لكن سيجد نفسه اختار “نعم” لدستور 2016، ولو هو يرفضه سابقاً ولاحقاً.

3- أصحاب “خُذ وطَالب” وهم الذين يَرون “ما لا يُدرَك كُلُّه لا يُتركُ جُلُّه”، وأن المعركة الحقيقيّة هي في القوانين المنظِّمة الآتية، وأنه ضروري الخُروج من هذه المرحلة بأخفّ الأضرار، وأنّ الاجماع الكلّي مستحيل في الدّساتير، والتوافق والتنازل والتّفاهم هي شروط الانتقال إلى مرحلة جديدة، ولو أنّ هذه المرحلة تحتاج لكتلة جديدة ولقوّة سياسية جديدة لا أراها في القريب العاجل، أي أن وجب الكفاح من أجل ذلك والخروج من طِين “التلوّث الأيديولوجي”.

مقالات ذات صلة

  • ماكرون في أزمة!

    "أعتقد أنَّ المسلمين يعطوننا درسا.. فهم محقون في هذا الاتجاه، درس في التصدي للمادية.. إنهم أشخاصٌ لديهم روحانية، ولديهم أخلاقياتٌ، ولديهم التزام أخلاقي، لديهم قيمٌ…

    • 731
    • 1
600

10 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • قناص بلا رصاص

    أول مرة أقرأ شيء مختلف.
    مقاربة جديدة .

  • لزهر

    لا شرقيّةِ و لا غربيّةِ يكاد زيتها يُضيئ
    و لو لم تمْسسهُ نار نُور على نُور على نور
    قِيلَ
    ااقَبَلِيّة

  • محمد رضا

    الدستور الجيديد لا يعني ابدا خطوة الى الامام. الدستور يعالج جزءيات النظام ولا يهتم بالقضية الجوهرية التي لم يجرؤ احد الاقتراب منها وهي الشعب الذي ينتظر الى يومنا هذا من يعطيه مكانته التي يستحقها فمن ابسط حقوقة ان يكون له حق الاطلاع على نشاطات ونفقات ومصاريف الهيءات العمومية لكي تبنى الثقة بين النظام والشعب كما هو معمول به في الدول التي تحترم شعوبها.

  • Reda Blida

    هذا وين كان ؟

  • أحمد

    يوجد إختيار ثالث: “لا حدث”

  • monsef

    زمن استحمار الشعوب وصناعةالغباء قد ولى واندثر.
    لايمكن تخدير شباب اليوم المثقف بالكلام المعسول ؛ لأنَّ الشعوب المثقفة الحرَّة تسمع وتحلل ماتسمعه ، وتصنفه ، ثم تتخذ مواقفها بناءً على فهمها وليس بناءً على ماقيل لها.

  • سيبويه

    المؤسس الحقيقي للدولة الجزائرية الحديثة هي ثورة نوفمبر بقيادة حزب جبهة التحرير الوطني الذي قاد الشعب الي الانتصار وجمع كلمة كل الجزائريين -المؤسسين الحقيقيين هم الستة الاوائل بن مهيدي بن بولعيد ديدوش بوضياف بيطاط كريم بلقاسم –
    اما عبد القادر فقد قام بثورة كباقي الثورات -ثورة فاطمة نسومر والمقراني وبوعمامة وغيرها – لكنه في الاخير استسلم لفرنسا وركع لها ومات خارج وطنه ذليلا -مات بسوريا –
    ارجوكم لا تزوروا الحقائق من فضلكم يا مؤرخين يا متاجرين بتاريخ الجزائر وشكرا

  • أعمر الشاوي

    هناك صنف ثالث و هم الأغلبية , صنف لا حدث لأنهم يعلمون أن المشكل ليس في الدساتير أو في القوانين بل مشكل رجال و ممارسات و أن النظام الفعلي لا يزال قائما و أن هذا الدستور سيبرأ هذا النظام من كل ما قام به و كأن شيئ لم يحدث و سيكرس وجوده إلى الأبد , دستور التعيينات فقط الجهة التي تعين معروفة , كنا ننتظر دستور الكل منتخب لا دستور الكل معين ، لهذا السبب فهو لا حدث

  • عايش مع البلعاطين

    الجزائري في الجزائر و خاصة خارجها عرف ان الدساتير و القوانين مجرد حبر على ورق تستعمل فقط في مصلحة اصحاب الحل و الربط أو لتهديد أو تنويم الاحرار و الذين لا يريدون مشاكل. نعم أم لا لا تهم لأن النتيجة معلومة وهل سمعت يوما بعكس نعم أي لا حدث مجرد الهاء و كسب الوقت و مجرد تبذير للأموال و الطاقات. أنصح الأستاذ أن يبتعد عن المكاتب و يهتم بالبحث و التدريس

  • imazighen

    (…وأنّ الاجماع الكلّي مستحيل في الدّساتير، والتوافق والتنازل والتّفاهم هي شروط الانتقال إلى مرحلة جديدة)، مبدا الديمقراطية هو الاغلبية وليس الاجماع كما تقولّ، نحن أمة لا ونتمنى أن تكون هي الأغلبية، ما سواها لا حدث سواء انساقوا إلى امة لا أم واصلوا سبيل العصابة و ما قبلها…

close
close