-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الرئاسيات الليبية والالتفاف الصهيوني على أمن الجزائر

نسيم بلهول
  • 1048
  • 0
الرئاسيات الليبية والالتفاف الصهيوني على أمن الجزائر

على الرغم من سقوط أولى الورقات الإسرائيلية من سباق الرئاسيات الليبية المقبلة، والأمر يتعلق بسيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، إلا أن خليفة حفتر، قائد ما يُسمى بـ”الجيش الوطني الليبي” لا يزال واحدا من الأوراق الإسرائيلية القوية والمرشحة حسب المعطيات الإستراتيجية للظفر بكرسي الرئاسة في 24 ديسمبر من العام الجاري.

يبدو أن حفتر قريب جدًا من إسرائيل، علما أن سيف الإسلام قاد فيما سبق العلاقات السرية بين النظام الليبي السابق وإسرائيل قبل ما يُسمى بـ”الثورة الليبية” عام 2011. في حين كان معمر القذافي من أشدّ مؤيّدي القضية الفلسطينية من خلال دعمه للجماعات الفلسطينية المسلحة بالمال والسلاح والتدريب. التقى سيف الإسلام في وقت سابق بالإسرائيليين وكانت له علاقة بإحدى الممثلات الإسرائيلية والأمر يتعلق بأورليوينرمان، التي كان يواعدها نجل القذافي في إيطاليا. لكن بعيداً عن هذا النوع من الخيوط الحرجة، فإن العلاقات بين نظام الليبي السابق وإسرائيل كانت تدور حول مسائل دبلوماسية وكذا إنسانية أدارها آنذاك سيف الإسلام، والفضل في ذلك يعود بشكل خاص إلى تدخّل رجل أعمال إسرائيلي من أصل ليبي يدعى والتر أربيب، تقمّص دور وكيل أعمال خيرية بكندا.

ليبيا في المدرك الإستراتيجي الإسرائيلي

أبدت إسرائيل ولو بشكل غير معلن اهتمامًا كبيرا بليبيا، وذلك سبب أهمية موقعها الإستراتيجي بالقرب من الحدود مع مصر. ولكونها تشكل امتدادا لحلقة التفافها الجيوأمني على الدولة الجزائرية. هذا بالإضافة إلى حساسية الجالية اليهودية الكبيرة -من أصول ليبية- المتواجدة في إسرائيل.

في 8 نوفمبر من السنة الجارية، قام صدام، نجل المشير خليفة حفتر، بزيارة إسرائيل قادمًا من دبي وذلك على متن طائرة خاصة، قضى فيها ما يقارب ساعة ونصف ساعة في مطار بن غوريون الواقع بالعاصمة الإسرائيلية تل أبيب. لم يتم تداول أيِّ معلومات بخصوص حيثيات تواجد صدام حفتر خلال تلك الدقائق التسعين بالعاصمة الصهيونية. إلا أنه -وهو ما لا يمكن أن تنكره التقارير الأمنية حتى الإسرائيلية منها– كثيرا ما عقد والده لقاءات مع ضباط وكوادر المخابرات الإسرائيلية مقدِّما لهم في الكثير من المناسبات وعودا بخصوص اعترافه بإسرائيل، بمجرد وصوله لاعتلاء سدة الحكم في البلاد، تحذو من خلاله ليبيا حذو بقية الدول المنخرطة في مسار التطبيع، وذلك على غرار الإمارات العربية المتحدة، والبحرين والسودان والمغرب، مقابل استفادته من الدعم العسكري والدبلوماسي الإسرائيلي.

كان كلٌّ من سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر على وشك توقيع عقود مع شركة إسرائيلية من أجل إدارة حملتهما الانتخابية. علما أنّ تلك الشركة وفي ظل إسقاط ورقة ترشّح سيف الإسلام ستتفرغ لإدارة الحملة الانتخابية الخاصة بحفتر (هذا في حالة ما إذا تأكد عدم قبول طعون نجل القذافي من أجل عودته إلى مضمار المنافسة) بشكل منفصل عن فروعها المتواجدة في الإمارات العربية المتحدة.

حفتر.. الورقة الرابحة الإسرائيلية

على الرغم من دعوات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية إلى إنهاء العنف مؤقتًا، على الأقل خلال جائحة كورونا (الفيروس التاجي)، إلا أن الحرب الأهلية الليبية لا تزال مستمرة وكأنّ شيئًا لم يحدث؛ ففي أعقاب هجوم يوم 13 أفريل من السنة الجارية، انقطعت إمدادات المياه عن أكثر من مليوني شخص في طرابلس والبلدات المجاورة لها. واليوم، لا تزال المعارك محتدمة وجدّ ضارية غرب العاصمة الليبية بين الفصيلين المتنافسين الرئيسيين في البلاد. وهو ما من شأنه أن يدفع بقوة لولبية نحو تصاعد مؤشرات التدخل الدولي وتنامي الإمدادات المستمرة بالأسلحة. في انتهاك صارخ للعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، خاصة ما يتعلق منه بفرض حظر على الأسلحة. من جهة، نجد حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها أمميا، والتي يقودها فايز السراج، تتلقى دعما مهما وبشكل أساسي من طرف قطر وتركيا، اللتان أصبحتا موردا رئيسيا لقوات السراج من الأسلحة والمرتزقة، إذ أرسلت تركيا في وقت سابق طائرات بدون طيار إلى ليبيا –البعض منها طوِّر في تركيا على أساس نماذج إسرائيلية قديمة، والبعض الآخر صُنع في إسرائيل، وبيعت إلى حليفة تركيا (أذربيجان).

أما على الجانب الآخر، نجد قوات اللواء خليفة حفتر، الذي يسيطر على أراضي شرق ليبيا وكذا مدينة بنغازي، وهو يقود حاليا ما يعرف بـ”الجيش الوطني الليبي”، ومن المعروف أن حفتر، الذي يحمل الجنسية الأمريكية، يعدّ أحد المقربين وبشكل ملف للنظر من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أيام منفاه تحت حكم معمر القذافي، فلا عجب إذن أن يحظى بدعم مهمّ من إدارة الرئيس بايدن، والتي تدعم ظاهريًا جهود السلام الدولية فيما تدعم وبطريقة سرية حملات حفتر.

الملف الليبي والموساد

علاقة تل أبيب بالمسألة الليبية غير معروفة بشكل جيد ولكنها مهمة للغاية. في الواقع، الدور الذي يلعبه حفتر في الملف هو أحد مخرجات المحور الذي أنشأته في السنوات الأخيرة كلٌّ من مصر والإمارات العربية المتحدة إلى جانب إسرائيل، إذ قامت الإمارات بتمويل وتزويد ما يعرف بـ”الجيش الوطني الليبي” بأنظمة دفاع جوي متطورة، مصنَّعة من طرف شركة إسرائيلية، ليتم نقلها عبر مصر، وذلك من أجل مواجهة الطائرات التركية بدون طيار.

كل ذلك تحت إدارة خرساء من طرف مصالح الموساد للملف الليبي، الذي بات ينسّق عملياته وسياساته من خلال حفتر مع كل من حكومة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مخابراتها عباس كامل، إذ التقى مبعوثو الموساد في الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2019 بحفتر وذلك خلال مناسبات عديدة بالقاهرة. كما سهّلوا، من جهة أخرى، عملية تدريب بعض ضباطه الرئيسيين على تكتيكات الحرب، هذا بالإضافة إلى عمليات جمع المعلومات الإستخبارية وتحليلها وكذا تدابير السيطرة والقيادة. كما ساعد جهاز الموساد قوات حفتر على شراء معدات خاصة بالرؤية الليلية وبنادق قنص.

أبدت إسرائيل ولو بشكل غير معلن اهتمامًا كبيرا بليبيا، وذلك سبب أهمية موقعها الإستراتيجي بالقرب من الحدود مع مصر. ولكونها تشكل امتدادا لحلقة التفافها الجيوأمني على الدولة الجزائرية. هذا بالإضافة إلى حساسية الجالية اليهودية الكبيرة -من أصول ليبية- المتواجدة في إسرائيل.

ومن ثمة، أضحت العلاقات الخاصة التي تجمع حفتر وإسرائيل أحد المفارقات التاريخية المهمة في المنطقة. علما أنَّه إبان حكم القذافي، كانت لإسرائيل مصلحة خاصة في ليبيا؛ إذ قام الزعيم الليبي آنذاك بتمويل المقاومة الفلسطينية، كما استضاف العديدَ من النشطاء الفلسطينيين، غلى غرار جماعة أبو نضال. نتيجة لذلك، قامت المخابرات الإسرائيلية والقوات الخاصة بتعقب ومطاردة مسؤولين ليبيين من خلال الطيران الحربي الإسرائيلي الذي نظم إنزالا على سواحل أحد الدول الواقعة في شمال إفريقيا وذلك من أجل تثبيت أجهزة تجسُّس والقيام بعمليات ميدانية، من أهمها: تنظيم وحدة كوموندوس بحرية إسرائيلية سنة 1995 كمينًا من أجل قتل الدكتور فتحي الشقاقي، زعيم حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، غير أنها انسحبت فوريا من العملية بسبب تواجد مجموعة من السياح الأوروبيين بإحدى الواحات الصحراوية. وبعد مرور بضعة أشهر من تاريخ المحاولة الأولى، تمّ اغتيال فتحي الشقاقي في مالطا على يد عملاء تابعين لجهاز الموساد.

لقد أبدت إسرائيل، في وقت سابق، اهتمامًا كبيرًا بنيّة القذافي وقدراته في صنع أسلحة كيميائية وبيولوجية وكذا نووية، إذ قام عملاء من المخابرات الإسرائيلية بجمع بيانات ومعلومات حول تطور هذا النوع من الأسلحة. غير أنهم تفطنوا، في وقت لاحق، للنقص الذي اعترى المعلومات التي توصلوا إليها وعدم دقتها، كون ليبيا -وبدعم باكستاني- طورت وبشكل كبير قدراتها النووية التي أضحت أكثر تقدُّما مما توقعته أجهزة المخابرات الإسرائيلية. غير أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وإلى جانبها مصالح الإستخبارات البريطانية MI6 قامتا بالضغط على القذافي وإقناعه عام 2004 بضرورة التخلي عن تلك الخطط.

أما خلال المرحلة التي استقرت فيها العلاقات الليبية مع الغرب، والتي استمرت إلى غاية سقوط القذافي وذلك على إثر انتفاضة شعبية دعمها حلف شمال الأطلسي عام 2011، تعامل فيها الزعيم الليبي مع إسرائيل وكان على رأس بعض المبادرات السياسية؛ إذ دافع هو وابنه سيف الإسلام من أجل السلام بين إسرائيل وفلسطين على أساس دولة واحدة أطلقوا عليها اسم “إسراطين”. وبمساعدة يهود لبنانيين وإيطاليين مشهورين قاما بإرسال حجاج إلى مدينة القدس، وأطلقوا على إثر ذلك سراح مواطنين إسرائيليين من أصل ليبي، كانوا قد نظموا سفريات إلى وطنهم السابق ليُتهموا بعدها خطأً بالجوسسة.

لم يتم تداول أيِّ معلومات بخصوص حيثيات تواجد صدام حفتر بالعاصمة الصهيونية. إلا أنه -وهو ما لا يمكن أن تنكره التقارير الأمنية حتى الإسرائيلية منها– كثيرا ما عقد والده لقاءات مع ضباط وكوادر المخابرات الإسرائيلية مقدِّما لهم في الكثير من المناسبات وعودا بخصوص اعترافه بإسرائيل مقابل استفادته من الدعم العسكري والدبلوماسي الإسرائيلي.

الآن وبعد استشرت الحرب الأهلية على كل أراضي الجغرافيا الليبية، أصبحت إسرائيل تراهن من أجل تعظيم حصصها من الدولة من خلال توسيع وجودها، تعطيلا منها للتمدُّد التركي وزيادة نفوذها في البحر الأبيض المتوسط. على كل حال، يظهر أن شبكات خليفة حفتر تشبه وإلى حد كبير شبكات سيف الإسلام المكوَّنة من ضباط سابقين -في ما يمكن تسميته بجيش ليبي إبان حكم النظام السابق– هذا إلى جانب زعماء القبائل، مروراً ببعض البلدات على غرار سبها وسرت وبني وليد أو ترهونة، حيث يشكل هذا النسيج عمق دولة الجماهيرية.

الورقة الإسرائيلية التي أطاحت بها اللعبة الروسية

يمكن اعتبار الدعم الروسي الذي تلقاه نجل القذافي أحد أهم الأسباب التي أطاحت بورقة ترشحه للرئاسيات الليبية القادمة، وذلك في إطار حسابات وتوازنات محاور اللعبة الإستراتيجية في ليبيا، إذ تعتبر موسكو حليفا دوليا مهما لسيف الإسلام. وتواصل موسكو تذكير الجميع بأن بعثة الأمم المتحدة التي وافقت عليها عام 2011 تجاوزت صلاحياتها من خلال القضاء على معمر القذافي. في حقيقة الأمر، لم تكن لتقطع روسيا أبدا اتصالاتها بعائلة القذافي، فما لم تكن قادرة على فعله سنة 2011، يظهر أنه من غير الممكن أن تفعله اليوم في ظل إقصاء سيف الإسلام من سباق الرئاسيات. وهي البارعة في عمليات التلاعب بالرأي العامّ من خلال وسائط الاختراق وتوجيه وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.. وهي التي تمكَّنت من فعل ذلك، وفي وقت سابق، في الولايات المتحدة. لا يوجد سببٌ يمنع الروس من القيام بذلك مرة أخرى في ليبيا، إذ تمتلك مجموعة يفغيني بريغوين، رئيس الشركة الروسية العسكرية الخاصة “فاغنر”، التي لها وجودٌ قوي في ليبيا والمرتبطة في نفس الوقت بالكرملين- 50٪ من تلفزيون الجماهيرية. إلا أنه في ظل تمدد الأيادي الإسرائيلية داخل المصفوفة الليبية الداخلية المعقدة، لا المصالح الروسية ستحصل في ليبيا، ولا المواطن الليبي سيستقر على وضع، أما أمنُنا فيمكن أن ينتظر قليلا أو يوضَع في البراد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!