إدارة الموقع

السياسة والانتخابات وشهر رمضان

السياسة والانتخابات وشهر رمضان
ح.م

السياسة عدالة اجتماعية، والانتخابات إذا لم توصل مَن يُحقق العدالة الاجتماعية بين الناس تَفقد قيمتها وإن كانت نزيهة. بعد الاستقرار الأمني تأتي العدالة الاجتماعية مباشرة في المقام الأول، وينبغي أن تكون هي غاية السياسة وغاية الانتخابات.

 صحيحٌ أنّه لا معنى لرغد العيش في ظل غياب الأمن، ولكن لا يمكن أن نعتبر مجتمعا آمنا إذا لم تَسُدْ به عدالة اجتماعية. يبقى الأمن دائما مُهَدَّدا بالزوال إذا ما استمرت الفروق الطبقية كبيرة في المجتمع، وإذا ما استمر الحد الأدنى المطلوب من العيش الكريم غير متوفر.

ينبغي ألا نُفرغ السياسات المُختلفة وكذا الانتخابات، رغم أهميتها، من بعدها الاجتماعي، وألا نسير في طريق تحقيق توازنات سُلطوية على حساب العدالة الاجتماعية التي ينبغي أن يشعر بها كافة المواطنين.

يمكننا اليوم أن نجد توافقات بين الأحزاب السياسية والمُعارضة وحتى مع الناشطين السياسيين غير المُهيكَلين، ونجد لكل منهم مخرجا لتولي مناصب سياسية، مُنتخَبة أو غير منتخَبة، أن يكونوا نوابا للشعب في المستوى المركزي أو المحلي أو وزراء… وقد يؤدي هذا إلى أن تَخفُت حدة الاحتجاج الاجتماعي، وربما إلى هدوء مرحلي، ولكننا لن نستطيع الادعاء أننا مارسنا الفعل السياسي الحقيقي وما يجب القيام به تجاه المواطن إذا لم نتمكن من تحقيق العنوان البارز اليوم والمُعبَّر عنه بأكثر من طريقة وبخاصة في المستويات الدنيا، أي العدالة الاجتماعية.

سيحلُّ علينا الشهرُ الفضيل خلال أسابيع قليلة، وسيكتشف الناس ضعف قدرتهم الشرائية أكثر، وقد بدأت الهواجس قبل اليوم، تُؤرِّق الكثير من الآباء والأمهات بشأن كيفية تسيير ميزانية هذا الشهر، والمخاوف الكبيرة تسكن مَن لا أجرة لهم أصلا، وعلينا تقدير هذا الموقف تقديرا جيدا واعتباره من أوجب واجبات السياسة، ومن أولوياتها القصوى.

إننا لا يُمكن أن نَدَّعي أيَّ نجاح سياسي إذا لم يكن مواكَبا بنجاح اقتصادي واجتماعي، وإذا لم نصل إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الفئات الشعبية المختلفة. يبقى كل حديث عن الشرعية وعن الديمقراطية وعن الحريات بلا معنى إذا ما اتَّسعت الفوارق الطبقية والاجتماعية بين فئات المجتمع، وإذا ما بقي الحد الادنى للأجر غير كاف لتحقيق الحياة الكريمة للناس، وإذا بقيت الفوارق في الأجور بين الحاكم والمحكوم أضعافا مضاعفة، وإذا ما نسينا ملايين البطالين والأرامل واليتامى والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، وشهر رمضان يُذكِّرنا بهم في كل عام…

إن كل بناء سياسي يَنسى مبدأ العدالة الاجتماعية، ويَنسى التفكير في مدى قدرة المواطن على العيش الكريم، يبقى بلا معنى، ولا يُرمّم الشرعية المنقوصة. وبالعكس تماما كل بناء سياسي قام على العدالة الاجتماعية سيرمِّم شرعيته بنفسه مهما كانت سلبيات انطلاقتها.

لقد بدأ الناس يتخلون حقيقة عن الممارسة السياسية حتى في البلدان الديمقراطية بعد أن اكتشفوا في آخر المطاف كم هي مُضَلِّلَة الخطاباتُ السياسية التي تُعمِّق الفوارق الاجتماعية وتزيد الفقراء فقرا والأغنياء غنى… وفي البلدان النامية تتجلى مثل هذه الحقيقة بوضوح أكبر.

إن حلّ الإشكال السياسي المرتَقَب، من خلال الانتخابات، ممكنٌ تحقيقه، ولكنه سيبقى ناقصا إذا لم تسبقه وترافقه إجراءاتٌ فعلية لإرساء قواعد عدالة اجتماعية حقيقية بين الناس. مثل هذه الإجراءات ستكون أكثر إقناعا لكل مَن لم يعد اليوم قادرا على تحقيق العيش الكريم. وستكون هي السياسة الحقة التي يتطلع إليها الجميع بعيدا عن أشكالها التقليدية المعروفة، وبخاصة تلك التي تسعى لاستبدال إرضاء الشعب بإرضاء نواب الشعب في أي مستوى كانوا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • لزهر

    إذا لم يكن لديك مشروع مكتوب و مدروس و قليل من الوعي لدى الشعب لا تستطيع فعل أي شيء.
    في مثل هذه الظروف اللجوء إلى الجمعيات بدون إستثاء لأنها في الميدان و قريبة من المواطنين تستطيع فعل شئ ما.
    تشجيع هذه الجمعيات من طرف الدولة كمنحها إمكانيات مادية و بشرية كسيرات النقل لكي يتسنى لها التدخل و العمل و التقليل من حدة الأزمة الأقتصادية و لاكن بطريق مدروسة و مظبوطة.
    و قد أثبتت هذه الجمعيات عند حلول كورونا فعليتها من جمع القفف و توزيعها على المحتاجين و المرضى و نحن مقبلون على شهر رمضان المبارك اعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات.