الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م, الموافق لـ 08 محرم 1440 هـ آخر تحديث 19:53
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
  • أمهات لبيع أولادهن الصغار إلى تجار الدعارة للبقاء على قيد الحياة

  • سياح أجانب يشترون فتيانا ويأخذونهم معهم، وآخرون يشترون عذرية الفتيات الصغيرات في ليلة واحدة

“في كمبوديا، وفي دول شرق آسيا، تنتشر ثقافة جنسية خاصة جدا، مفادها أن ممارسة الجنس مع العذراوات الصغيرات، أي اللواتي لم يبلغن بعد، وليس فقط اللواتي لم يفقدن عذريتهن، تزيد فحولة الرجل، وتطيل عمره، كما تزيد من هرمون السعادة لديه وبياض بشرته”.

مثل طبيعتها العذرية، التي باتت تنعش اقتصاد البلد، فإن عذرية الفتيات الصغيرات هنا، تُباع بآلاف الدولارات.

يقول المثل الكمبودي: إن أردت أن تبقى على قيد الحياة، فعليك بالصمت.. صمت أطفال لم يتعلموا المشي بعد، وصمتت أم تبيع ابنتها الوحيدة إلى السمسارة ولم تخبر أحدا بشيء، وبعد كبر الفتاة في بيت يضج بالأجساد العارية، صمتتْ هي الأخرى.. لكن هذه المرة، خوفاً من الجوع أو الجلد.

في الشارع المحاذي لنهر ميكونغ، بالعاصمة بنوم بنه، كان لنا اللقاء مع السمسارة ماوو، لتحدثنا عن تفاصيل العملية. وصلنا إليها عن طريق أحد الزملاء، واكتشفتُ بعد ذلك أنه كان بإمكاننا الوصول إلى أخريات أيضاً. فالحديث عن تجارة الأطفال بالعاصمة الكمبودية ليس أمراً محظوراً، أما في شارعنا هذا فقد يكون العنوان الرئيس.

تقول لي ماوو: “أعمل هنا منذ أكثر من عشر سنوات.. ليس لدي أولاد، فقد بعتهم عندما كانوا أطفالا.. ولا أعرفهم الآن.. بعد ذلك، دلتني صديقة في القرية على هذا العمل.. لقد وفرت من خلاله مالا لشراء بيت لأمي، وبيت لي أيضا”.

وتشرح لي كيف أن عملها أصبح أكثر ربحا، في الآونة الأخيرة، خصوصاً مع ازدياد السياح الأجانب. وتقول لي إن بعضهم يأتي ويشتري فتيانا صغارا ثم يسافر بهم إلى خارج كمبوديا، وبعضهم يشتري عذرية الفتيات الصغيرات، فيقضي حاجته في ليلة واحدة ثم يترك الفتاة ويعود أدراجه.

كان من الصعب مقابلة الفتيان والفتيات العاملين في دور الدعارة بالعاصمة، قيل لنا إن قوانين صارمة تطبق عليهم، إذ يمنعون من الحديث إلى أي شخص، وإن كان الزبون نفسه، كما أنه يتم تغيير هوياتهم الأصلية، لتجنب إلحاق أي أذى بأسرهم في القرى البعيدة.

تحكي لي السمسارة ماوو قائلة: “الشرطة هنا لا تعرقل عملنا.. الكل يبحث عن لقمة عيش.. فالحياة أصبحت صعبة جدا.. لكننا نأخذ احتياطاتنا في كل الأحوال”.

كانت رغبتي جامحة في مقابلة أحد هؤلاء الضحايا الصغار. أخذت بنصيحة السمسارة، وسافرتُ إلى مدينة سيهانوك فيل. وهي وجهة سياحية رئيسة هنا، ومقصد أول لتجار الأطفال.

في ساحل المدينة المطلة على البحر الصيني، كان لي لقاء مع نادل الفندق، الذي حجزت فيه، فحكى لي ما يلي: “الكل يعلم أن السياح هنا يأتون للأغراض ذاتها.. السياح البيض على وجه الخصوص.. فهم إما يبحثون عن مخدرات أو مومسات أو أطفال وفتيات صغار.. وأحيانا، يحصلون على الرجال أيضا”. ويضيف، مشيراً بأصبعه إلى الأطفال الباعة على الشاطئ: “يتم التفاوض مع هؤلاء أيضا”.

تعتبر المطاعم والحانات في مثل هذه المدن، فضاءات مهمة لعمليات البيع والشراء. فروادها أجانب بالأساس، والعاملون بها تصل آذانهم إلى كل مكان، فيأتونك بالطلب بسرعة وجبات السناك.

لم يطل انتظاري في المدينة كثيرا، فبينما أنا أدردش مع النادل، جاءه اتصال يقول إنه بإمكاننا الذهاب لرؤية إحدى الفتيات ممن كن يعملن في العاصمة بنوم بنه.

في ضواحي المدينة، داخل بيت أعواده الخشبية غير ملتصقة، ورداء بلاستيكي وضع فوق سقفه حتى لا يتسرب المطر إلى الداخل، قابلت كايليان ووالدتها.

عمرها الآن 12 سنة، لكنها تقول إن حياتها توقفت منذ أكثر من سنتين. ابتسامة دافئة وعيونٌ مغرورقة بالدموع. تحكي لي: “قالت لي أمي إن صديقتها ستأخذني إلى بنوم بنه للعمل، وإن المال الذي ستجنيه أسرتي كثير جدا.. وافقت على الفور، ولم تكن لدي أي فكرة عن طبيعة عملي”.

عندما سألت أم كايليان: كم تقاضت مقابل ابنتها؟ شرحت لي أنها لم تكن تخطط لذهاب ابنتها إلى العاصمة، بل كان اتفاقها مع السمسارة على أن تبيع عذرية ابنتها بـ 3000 دولار، وبعدها تعود الصغيرة إليها: “قضت سنتين في العاصمة لم أرها سوى مرتين.. عندما ذهبتُ إلى السمسارة، قالت إن الزبون غير رأيه، وإنه يريدها للعمل في حانة صديقه، وإنه سيدفع إلينا ضعف ما دفعه في المرة السابقة، مقابل بقاء ابنتي هناك”. وتضيف: “لم يكن لدي خيار آخر فوافقت”.

تعيش أسرة الصغيرة كايليان على أقل من دولارين كل يوم. وبيع عذرية الفتاة، وعملها في بيت الدعارة مقابل بضعة آلاف من الدولارات يعتبر ثروة كبيرة، لم تكن لتحلم بها الأسرة وإن اضطرت إلى العمل ليل نهار: “بنينا هذا البيت الذي ترينه بـ 1500 دولار.. وبقية المال أرسلته إلى أمي. فهي مريضة منذ سنوات”.

في كمبوديا، وفي دول شرق آسيا، تنتشر ثقافة جنسية خاصة جدا، مفادها أن ممارسة الجنس مع العذراوات الصغيرات، أي اللواتي لم يبلغن بعد، وليس فقط اللواتي لم يفقدن عذريتهن، تزيد فحولة الرجل، وتطيل عمره، كما تزيد من هرمون السعادة لديه وبياض بشرته.

تروي لي السمسارة ماوو أن رجلا ثريا في العاصمة، يشتري في كل يوم فتاة عذراء، وأنه لا يمارس الجنس مع غير العذراوات، وبعد انتهاء عمله يتركهن في حال سبيلهن. “إنهن لا يرغبن في العودة إلى بيوتهن، يعلمن أن أمهاتهن سيبعنهن مرة أخرى كلما سنحت الفرصة. يتحولن إلى أطفال شوارع ويتم مرة أخرى الزج بهن إلى دور الدعارة..؟”.

وتشرح لي أنه في هذه الحالة، يعملن دون أي مقابل مادي يدفع إلى الأسرة، إذ إنها في الغالب، تكون على غير علم بمصير ابنتها.

وعندما سألتها عن بيعها أطفال الشوارع نفت ذلك، وقالت إن كل خطوة خطتها في عملها كانت برضى الجميع. وأضافت: “الأمهات الفقيرات يبعن بناتهن إلى الأثرياء، وكلما كانت الفتاة أصغر، كانت قيمتها أكثر.. نبيع أطفالا لم يتجاوزوا أربع سنوات، لكن برضى أهلهم”.

قد يكون الحديث عن الدعارة أصبح مألوفا، فمهما كانت المآسي التي تخبئها، فهي على الأقل مشروعة في كثير من بلدان العالم ومقننة في أخرى. أما هنا، فالحديث عن أطفال لم يشبعوا حتى من مص أصابعهم.

تقول لي أم كايليان: “بعد شهر من وصولها، اتصلت بي من هاتف عمومي، وقالت لي إنها تكرهني وإنها ستقتل نفسها قبل أن يأتي سافل آخر ويقترب منها.. كنت حزينة جدا.. لكن حياتنا هنا كانت رهينة ببقائها هناك.. ما عساي أفعل؟”.

تمكنت كايليان من الهرب بعد سنتين. تحكي لي أنها استغلت ساعة أخذهم مصففة الشعر، فركضت إلى آخر الشارع، وبعدها طرقت أحد المنازل وطلبت البقاء معهم. “اتصلوا بالشرطة.. كنت خائفة في البداية أن أخبرهم باسمي وعنوان منزلنا بسيهانوك فيل.. ففي بيت الدعارة، الذي كنت أعمل فيه، كانوا يضربوننا إن لم نوفر ثمن مضاجعة عشرة أشخاص كل ليلة.. كانوا يخيروننا بين الضرب وعدم الأكل.. وكنت دوما أختار الضرب، لأنني أكون جائعة جدا بعد العمل”.

بعد عودتي إلى العاصمة، كنت مترددة في التحدث إلى الشرطة حول الموضوع، لكن كلام السمسارة حول تواطؤ رجال الدولة، جعلني أطرق هذا الباب.

 توجهتُ بسؤالي إلى شرطي المرور، معتقدةً أنهم أكثر رجال الشرطة معرفة بهذا الموضوع، خصوصاً أن عمليات البيع والشراء تتم هنا، من هذا الشارع. فقال لي: “نحن نقوم بعملنا، لكن يصعب ضبط الأمور دوما يا سيدتي”. وأضاف بأريحية توحي إلى السامع بأننا بصدد مناقشة أحوال الطقس وليس جريمة في حق الأطفال: “إن قمنا بعملنا ليل نهار، فالكل متواطئ مع الأمر.. لا يمكنك أن تمنعي شيئا توافقت عليه كل الأطراف الأخرى.. هل نعتقل الأم مثلاً؟ سنفعل ذلك في حالة قدمت شكوى، وليس عندما تقوم هي نفسها ببيع أطفالها أو ببيع حتى نفسها”.

عدتُ إلى البيت محبطة. وقررت أن أتواصل مع إحدى الجمعيات غير الحكومية التي تناضل من أجل الحد من هذه الظاهرة المروعة في دول جنوب شرق آسيا.

فجائني ردهم بعد يومين، يقولون فيه إنهم لا يستطيعون استقبال حالات جديدة في المركز، لكن باستطاعتهم إنقاذ أي طفل- أو طفلة- يتم التبليغ عنه، من وكر الدعارة والعودة به إلى بيت أهله”.

تؤوي الجمعيات غير الحكومية اليوم آلافاً ممن تم إنقاذهم من عمليات بيع وشراء، أو من داخل أوكار الدعارة. وهي توفر مراكز للتأهيل النفسي والجسدي لأطفال يخافون من العودة مرة أخرى إلى بيوت ذويهم.

تقول لي كايليان: “لا أعرف إن كانت أمي ستبيعني مرة أخرى أم لا.. علي أن أوفر المال بطريقة ما.. فأنا لا أرغب في معاودة الماضي وإن اضطررت إلى البقاء جائعة”.

تعترف الحكومة الكمبودية اليوم بوجود أكثر من 40.000 طفل أو فتاة تم بيعهم إلى السماسرة، لكن يبقى الدور الحكومي في وقف تدفق تجار الأطفال نادرا أو شبه معدوم. فلا توجد أي جهة حكومية تعنى بالأطفال المتخلى عنهم، أو عقوبة قانونية تفرض على المتورطين في القضية.

وهكذا، يغادر السياح مدناً كبنوم بنه وسييم ريب وبريه سيهانو وكمبونج تهوم، ورتناك كيري وسيهانوك فيل، وقد أشبعوا رغباتهم. ينتعش الاقتصاد هنا بشكل أوتوماتيكي، بينما تخسف الشمس أمام أطفال لا يُعرف إلى أي مدى سيتحملون.

تقول لي السمسارة ساخرة: “الممارسة مع الفتيان الصغار تعالج الإيدز.. هذا ما نردده عند عملية البيع.. والزبائن أنفسهم يعرفون ذلك”.

1 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • Bela

    الحمد لله على نعمة الإسلام،

close
close