الأربعاء 23 أكتوبر 2019 م, الموافق لـ 23 صفر 1441 هـ آخر تحديث 23:58
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

الشعب الجزائري والفرص الضائعة

جمال ضو أستاذ الفيزياء بجامعة الوادي
  • ---
  • 11

تقف الجزائر اليوم على أعتاب مفترق طرق تاريخي وخطير في آن واحد. لحظة ليست بوليدة اليوم بل وليدة سياسات متعاقبة، كان الجامع بينهم هو اقصاء رأي الشعب، فكل الخيارات، من سياسية، واقتصادية، واجتماعية إلى ثقافية وتربوية اتخذت بعيدا عن رأي الشعب، وللمفارقة باسمه أيضا، فكنا ننتقل من حكم الفرد إلى حكم الزمر، ومن الإدارة بالولاء إلى التسيير بالوكالة والمصادرة المباشرة لمؤسسات الدولة من خلال المال الفاسد والنفوذ غير الشرعي.

لقد عاش الشارع الجزائري حَراكا شعبيا، حراكا كان منتظرا ومتوقعا، فإذا لم يكن بالأمس فاليوم، وإذا لم يكن اليوم فغدا، ولكنه كان حتمية تاريخية، وما العهدة الخامسة إلا القطرة التي أفاضت الكأس. ولكن لا يمكن لعاقل منصف أن ينكر أن حَراك الشهور الأولى ليس حراك الشهور الأخيرة؛ فحالة الاستقطاب داخله وخارجه حقيقة لا ينكرها إلا من يريد أن يدلس على الشعب ويوقعه في خطيئة قراءة المشهد. وما حديث كثير من النخب السياسية باسم الشعب واحتكارها لمطالبه إلا انعكاسٌ لفقدانها للضمير الأخلاقي.

إن حالة الانقسام الشعبي والاستقطاب داخل مركبات الحَراك والتي أدت إلى انقسامه وانسحاب قطاع عريض منه (بل أغلبه) يعكس في الحقيقة صراعا بين عصب السلطة ومراكز القوى والنفوذ داخل الدولة، صراع ما فتئ أن تلوّن به الحراك شعوريا أو لا شعوريا، بالرغم من وجود قطاع داخل الحَراك بقي ثابتا نائيا بنفسه عن هذا الصراع، وفيا لمطالبه الوطنية الجامعة.

الشاهد أنه لا يمكن إنكار أن مجمل الحَراك المتبقي اليوم دخل في صراع مفتوح مع القيادة العسكرية، وأن كثيرا من النخب السياسية والأذرع الاعلامية والنقابية والجمعيات المتزعِّمة لهذا الصراع المفتوح والصفري كانت جزءا أصيلا من النظام البوتفليقي والمخابراتي الذي تأسس منذ سنة 92، وبل مدافعة بشراسة عن عدد من وزراء العهدة الرابعة وما نتج عنها من مخرجات في ميادين كثيرة ومفصلية. ولهذا فلا عجب أن يقف قطاعٌ عريض من الشعب، بل أزعم أغلب الشعب، موقفَ المتربِّص الفاقد للبوصلة والمضطرب في خياراته.

وما زاد المشهد الجزائري غموضا والتباسا على كل متابع مدقق في المشهد هو المخرجات المتضاربة من السلطة الفعلية القائمة اليوم، وكأننا أمام منظومتين في نظام واحد يفسد عمل أحدهما عمل الآخر.

من ناحية تلحُّ السلطة على ضرورة إجراء انتخابات رئاسية وتعِد بنزاهتها وتوفير كل الشروط لذلك، ولكنها في نفس الوقت يتم إخراج مشهد لجنة الحوار وبعدها سلطة تنظيم الانتخابات بشكل مبالغ فيه في الرداءة واستحضار الوجوه الممقوتة شعبيا. وكأنَّ الهدف هو إرسال رسائل غير مطمئنة ومنفرة تماما، بل أقرب إلى الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات والمزيد من الاحتقان وتأجيج الشارع، في مشهد سريالي ومتناقض قلّ نظيره. مخرجاتٌ عززت قوة الطرف الذي يرفض الانتخابات جملة وتفصيلا ويهدف إلى قلب الطاولة كليا وإعادة التموقع السياسي وتقاسم النفوذ ولمَ لا استنساخ مشهد 1992 بأدوات جديدة.

إن ما يحدث من حالة رفض وحَراك مستمر ودافع نحو صدام عدمي مع المؤسسة العسكرية اليوم، وخاصة قيادتها متمثلة في قائد الأركان، وفي ظل فقدان للرؤية والبدائل والمرجعيات السياسية والمجتمعية الحكيمة، يجعلنا نتذكر انتخابات ديسمبر 1991 وما كان خلف المشهد البارز.

لقد تبنى البرلمان آنذاك تقسيما للدوائر الانتخابية مُجحفا وظالما، جعل صوت مواطن في بعض الولايات والمناطق التي تصوِّت لجبهة التحرير يعادل صوت عشرات المواطنين في باقي ولايات الجزائر حيث كان لحزب الجبهة الإسلامية الغلبة، وهو ما دفع قيادة الجبهة الإسلامية إلى الإعلان عن إضرابٍ شامل مؤيَّدة بحزب العمال آنذاك لرفض هذا التقسيم الجائر. هذا بالرغم من تحذير بعض المخلصين العالمين بما يحدث في دوائر القرار الحقيقية لهم من الذهاب إلى هذا الخيار.

وبالرغم من أن ذلك التقسيم كان ظالما وجائرا ولا يمكن الدفاعُ عنه أخلاقيا، إلا أن حكيم الساسة الجزائريين عبد الحميد مهري إرتأى أنه القانون الأسلم لتلك المرحلة وقالها صراحة موجها كلامه للشيخ عباسي مدني: “هناك من يرى أن التغيير لا بد أن يكون تدريجيا”. جملة مرّت حينها مرور الكرام، ولكن سيأتي فيما بعد من يدرك مدلولها وماذا كان يُدبَّر خلف الستار، ولكن بعد فوات الأوان.

كان لقيادة الجبهة الاسلامية ما تريد وتم تعديل القانون واستبداله بقانون عادل وفازت الجبهة الإسلامية بـ188 مقعدا في الدور الأول، وكانت ستكتسح البرلمان بعد الدور الثاني وتحصل على أغلبية ساحقة تتجاوز ثلثي مقاعد البرلمان. حينها أدرك عبد القادر حشّاني حجم الفخ الذي وقعوا فيه وراح يحاول التواصل مع رئيس الجمهورية آنذاك الشاذلي بن جديد ليبلِّغه بأنهم متنازلون عن كل مقاعد الدور الثاني لصالح جبهة التحرير وعن رئاسة الحكومة وكثير من الوزارات السيادية، ولكن سبق السيف العذل، فالسيناريو كان مُعدًّا ولم يبق إلا رفع الستار، والبقية يعرفها من عايش تلك الفترة أو قرأ عنها، فأدرك الشعب حينها حقيقة المشهد ومن كان يديره، وأن الشاذلي بن جديد كان صمام الأمان ولم يكن “مسمار جحا” الذي طالبت جماهير الجبهة الاسلامية بتنحيته.

للأسف إننا اليوم في الجزائر نرى نخبا سياسية ومثقفة كنا نعتقد فيهم الحكمة والبصيرة السياسية وقد أخذتهم عاطفة الجماهير والرغبة في التغيير الجذري، وبدل أن يدركوا أن اختراقا وهزة حصلت وجب الاستثمارُ فيها بعقلانيةٍ ورؤية، راحوا يدفعون الشارع نحو مسار عدمي فاقد للأفق غير مراع لسُنن التغيير ومقتضيات الواقع الجيوسياسي، بل إن حال هؤلاء أشبه بمن طُرح عليه سؤالٌ فراح ينقل إجابة زميله حرفيا بالرغم من أن ورقة زميله تم تصحيحُها وحصل على علامة صفر وإنذار. من قال إن التاريخ لا يعيد نفسه؟

مقالات ذات صلة

  • الشعوب الحرة تصنع المعجزات

    وحدها الحرية تصنع المعجزات، وتمنح الشعوب قوة الإبداع والتقدم. الدليل على هذا الكلام يتكرر في كل مناسبة، ولقد شاهدنا ذلك مجسدا في تونس كما في الجزائر. راقبوا…

    • 767
    • 12
600

11 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • محمد البجاوي

    الحراك يطالب بتغيير سائق الحافلة المتهور المغرور بسائق عاقل يعي أن في الحافلة بشر و ليس فئران

  • منير

    يعني انتخابات 1992 كانت مزورة لصالح الاسلاميين. يعني الاسلاميين ما همش اغلبية؟

  • إسماعيل الجزائري

    أشاطرك المخاوف يا أستاذ جمال.

  • عبد الله البوسعادي

    “حينها أدرك عبد القادر حشّاني حجم الفخ الذي وقعوا فيه وراح يحاول التواصل مع رئيس الجمهورية آنذاك الشاذلي بن جديد ليبلِّغه بأنهم متنازلون عن كل مقاعد الدور الثاني لصالح جبهة التحرير وعن رئاسة الحكومة وكثير من الوزارات السيادية” = هكذا يبدأ تزوير التاريخ…

  • ياسين

    السياسة هي فن الممكن؟ لكن الماكرون يدفعون بالأغبياء نحو الواجهة ليفسدوا السياسة و الوطن معا فيستفيد في الأخير الماكرون الذين يخططون و الأغبياء ينفذون؟؟؟

  • hamid

    تحليلك معناه سمير بلعربي اذناب النضام السابق! انتم تحت غطاء الحكمة والتعقل تقلبون الامور رأسا على عقب. رجعتو احد ركائز النضام السابق بطل والناس التي تناضل ضد هذه المنضومة الفاسدة منذ عقود اذناب العصابة. الكل يعرف ان النضام لا يريد التغيير ويسعي لفرض خريطة طريق بالقوة والدلائل كثيرة (لجنة يونس و الصلطة وتعيين اعضائها) وسوف يعاد الى المرادية واحد من اولاد النظام. هل من المعقول ان نقول نضام لايقبل معارض حتي الضهور في الاعلام يقبله رئيس الجمهورية? هذه من المستحيلات السبعة. الحراك مطالبه واضحة ومشروعة ولكن المشكلة هي السلطة التي لاتريد التغيير وتتمسك بشرعيتها الربانية لتتحكم في مصير هذه الامة

  • HOCINE HECHAICHI

    حلل وناقش :
    الحراك الذي قامت به الطبقة الوسطى ( التي تقود الشعوب في جمع الأزمان والأوطان) ( عندنا طلاب سنوات 70 و 80) انتهى بعد أن بلغ الرسالة : ضرورة إحياء “المشروع الوطني” (المتوقف منذ نهاية سنوات 80) .
    حاليا لم يبق في المسيرات إلا فلول الفيس (لإحياء المشروع التيوقراطي الظلامي ) وأزلام الماك (لفرض “حكم طائفي” على الطريقة اللبنانية ).
    المشروع الوطني ستحييه النخبة الوطنية المدنية (الأحزاب) بالتنسيق مع النخبة العسكرية (لأسباب موضوعية) عبر انتخاب رئيس تكنوقراطي.

  • عبد الحكيم بسكرة

    بإختصار انت تريد يا استاذ ان تقول ان اتغيير بالتدريج اسلم لنا و اضمن ربما ولكن الا يستحق هذا الشعب بعد عشرية سوداء الحقتها عشريتن للفساد و الضياع البوتفليقي و بعد دخوله في ثورة سلمية الهمت العالم ان ينتخب رئيسا له عن طريق انتخابات حرة و ذات مصداقية و شفافة , هذا ما يريده الشعب هو ان تشرف على الانتخابات لجنة مكونة من شخصيات معهود لها بالمصداقية , الم ترى كيف استبعد طالب الاراهيمي من لجنة الحوار و وجد اسمه مكتوبا بدون حتى ابلاغه و كذلك باقي الشخصيات انسحبت لانها لم تجد لا ضامنا و لا جدية , و لكن اقول لك يا استاذ لقد اطلعتنا على مقال طيب ينبض بكثير من المصداقية و الحقائق و بتحليل صائب قلَّما ن

  • شخص

    من يضيع الوقت على الجزائريين هو من يتمسك ببدوي على رأس الحكومة و يعطي بذلك الحجة للمقاطعين
    و نبقى ندور في حلقة مفرغة على طريقة من وجد أولا البيضة أم الدجاجة !

  • نحن هنا

    ولكن الافعى تؤخد من رأسها لامن ذيلها

  • LAHN

    محمد البجاوي ….هذا اذا كان في الحافلة سائق اصلا اما ان نرمي سائق الحافة من النافذة بحجة انه بطيئ او متهور ثم ننادي اين السائق الجديد فلا نجد فهذه مصيبة لكن المصيبة الاكبر هي ان يخرج لنا 06 كلهم يقول انه السائق الامثل و يتصارعون حول المقود و الحافلة تسير بجنون نحو الهاوية -FALAISE- …هذه المصيبة الاكبر امّا الطامة الكبرى هي ان تنحاز كل عائلة اواحد من السته لانه فرد منها و يتقاتلون داخل الحافلة حينها تاكد ان شركة RENAULT ستاتي و تبعد الاشلاء المتناثرة بمكنسة ثم تشتري الحافلة كيلوغرامات حديد

close
close