الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 م, الموافق لـ 08 ربيع الآخر 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

الظِّلالُ والأضواء

عبد الناصر بن عيسى صحافي.. ومدير مكتب الشروق الجهوي بقسنطينة
ح.م
  • ---
  • 0

خلال الزيارة العملية التي قادت رئيس الحكومة السيد عبد العزيز جراد إلى ولاية الجلفة، لاحظ المتابعون تركيز السلطات المحلية على برامج خاصة بما صار يسمى بـ”مناطق الظل”، إذ أصبح كل والي ولاية يعدّ المناطق المحرومة في القرى والجبال والفيافي، وينتقل إلى عملية صرف المال العام في إنجاز الطرقات والسكنات الريفية وإدخال الغاز وماء الشرب، لأجل عرضها على المسؤولين الكبار ضمن تقارير بالصور والأرقام. ولا تكاد تخلو جلسة محلية في أي ولاية عن نطق كلمة “الظل” التي تعني العزلة والتهميش وكل مرادفات “الحقرة”، من دون التطرُّق إلى المشاريع المبنية على أفكار وتصوُّر عام للمنطقة، لأجل إضاءة مستقبلها وجعلها نموذجا حقيقيا في التنمية.

وإذا كنا نتفق جميعا على أن الكثير من المناطق في الجزائر مازالت تعيش في عهد ما قبل الاستقلال، وبأن التقرير المرئي الذي أبكى رئيس الحكومة ذات فيفري من سنة 2020  ليس إلا قطرة من طوفان الأوجاع التي يعانيها بعض الجزائريين المنسيين، فإن البلاد في حاجة إلى مشروع أمَّة عملاق يبنيها بكل مدنها وقراها ويشمل الضوء الساطع الحقيقي الجميع، حتى لا تتكرر الأخطاء ذاتها التي وقعت في القرى الاشتراكية التي حاول الراحل هواري بومدين أن يبني ألفا منها عن حسن نيَّة لصالح الفلاحين، وتتكرر نفس المشاهد التي تجعل من رئيس البلدية أو والي الولاية بطل فيلم وهمي ينتهي دائما بضياع أموال الإنتاج في تصوير مشاهد يتضح مع مرور الوقت بأنها خارج نص السيناريو الحقيقي الذي يهدف إلى بناء الجزائر الجديدة التي لا تغيب عنها الشمس وعن كل المدن والقرى.

التقط أبناءُ الجلفة من المحلقين في الفضاء الأزرق، صورا عن مسؤولين محليين غالبيتهم من الذين كانوا يُطبِّلون حتى تحمرّ أياديهم لِما كان يُسمَّى بـ”برنامج رئيس الجمهورية” السابق، وهم يشجّرون ليلا مساحاتٍ جرداء ويطلون جدرانا لم يمسسها الأبيض من عقود، قبيل زيارة رئيس الحكومة، ضمن ممارسات ذرّ كمشة من الرماد في العيون، أو محاولة لتلميع الصورة القاتمة للوضع، ومثل هذه الممارسات الموروثة من العهد السابق هي التي تجعلنا حريصين على ضرورة التغيير الشامل، حتى لا تُعطى بعد ذلك أموالُ إخراج مناطق الظل من العزلة، للذين أدخلوها في دائرة العزلة، سواء عن قصد أو عن غير قصد، فلم يحدث أن أحيا الأرضَ في بضعة أيام، من جعلها جرداء في عقود.

عندما قدّم المفكر مالك بن نبي مشروع السد الأخضر للمسئولين في البلاد في بداية سبعينيات القرن الماضي، لم يكن يظن بأن الفكرة الحضارية والتنموية الكبرى ستتحول إلى كرنفالات للتشجير، صرفت فيها الجزائر الملايير والوقت وجهد الكثير من الشباب، من دون أن تنمو شجرةٌ واحدة ولا نقول غابة، ونخشى أن تكون فكرة إخراج “مناطق الظل” من عزلتها – وكم هي فكرة شريفة وراقية – فرصة أخرى لإقامة كرنفالات “الرياء” التي يظهر فيها أصحاب البدلات وهم يذرفون الريع في غير محله، فلا ضوء يصل منطقة ظل، ولا ضياء يبقى في منطقة الأضواء.

الافتتاحية

مقالات ذات صلة

  • قناة الذاكرة

    في عشرينيات القرن الماضي نشر شاب جزائري اسمه رمضان حمود (1906-1929) كتابا عنوانه "بذور الحياة"، كأنه يردّ به على فرنسا التي ظلت منذ لطخت الجزائر…

    • 1036
    • 4
  • أعراسُ الموت!

    حتى أرقام كورونا قد قرعت ما فوق الألف يوميا، وقرابة العشرين وفاة، وما خفي أهول وأقسى، إلا أن بعض الناس مازالوا إلى غاية شتاء 2020…

    • 281
    • 1
600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close