-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
كانت في أوج حركيتها الليلية سنوات الستينيات والسبعينيات

العاصمة.. مدينة تنام باكرا حتى صيفا

نادية سليماني
  • 13753
  • 0
العاصمة.. مدينة تنام باكرا حتى صيفا

المنطقي، ألا تنام عواصم العالم، خاصة خلال فترة الصيف، لكثرة خروج العائلات، وتمضيتهم ساعات متأخرة من الليل خارجا.. إلا في الجزائر، فالعائلة تخرج للتنزه، وهي تحسب وقت العودة دقيقة بدقيقة، مخافة توقف وسائل النقل وإغلاق المحلات ليلا. وظاهرة “نوم” المدن الجزائرية باكرا، برزت في العقدين الأخيرين فقط، ففي فترة الستينيات والسبعينيات، كانت البلاد في عز نشاطها وحركيتها الليلية.

حاضرُ مدن الجزائر وخاصة عاصمتها لا يبشر بخير، فهي تعيش سباتا ليليا، وركودا في أوج ليالي الصيف الطويلة.

فالعاصمة، وعكس جميع عواصم العالم، تنام باكراً وتصحو متأخرة، مفتقدة الحركية والنشاط، اللذين يميزان المدن الكبرى عالميا.

ويؤكد مواطنون من مواليد الأربعينيات والخمسينيات، أن الجزائر العاصمة، كانت في أوج نشاطها وحركيتها بعد الاستقلال وما تبعه من سنوات، رغم قلة الإمكانيات المادية.

وأكّد “لخضر” من قاطني القصبة، أنّ سكان العاصمة، كانوا نشطين جدا ويطيلون السهر لساعات متأخرة من الليل، رغم قلة وسائل النقل والمركبات الخاصة وقتها. وأوضح أن “البلاد كانت تعرف حالة أمن وأمان، ومحاولة للتمتع أكثر بالحرية واستقلال البلاد، بعد 132 سنة من الاحتلال”.

كما أنّ كثيرا من النشاطات كانت ليلية، على غرار الصيد وحضور جلسات الشعبي الموسيقية التي كانت تقام بين الأحياء الضيقة، بل أكد محدثنا أن الجزائر العاصمة كانت في أوج حركيتها وصخبها ليلا سنوات الأربعينيات، وذلك عقب الحرب العالمية الثانية.. وكانت تجول في شوارعها ليلا العديد من الجنسيات.

غياب وسائل النقل وغلق المتاجر.. يرهنان التنقل ليلا

ويُفسر الكثير أسباب خلود سكان المدن الجزائرية للنوم باكرا بغياب وسائل النقل ليلا، باعتبارها أهم وسيلة لانتعاش المدن ليلا، فبالجزائر العاصمة، تتوقف حركية النقل الجماعي مع قرابة الـ 6 مساء، على غرار الترامواي، حتى في عز الصيف، دون الحديث عن وسائل النقل الخاصة، التي تغادر أماكن توقفها بمحطات المسافرين بدءا من الـ 5 مساء، مفسحة المجال للكلونديستان. حتى ولو كان “الميترو” استثناء، إلاّ أن خطوطه في العاصمة قليلة جدا، ولا تغطي جميع البلديات.

وظاهرة قلّة وسائل النقل ليلا، جعلت سكان الجزائر العاصمة يعانون من أزمة تنقل بعد السادسة مساء، ما يجعل حركيتهم تخف مساء، وهو ما ينعكس سلبا على نشاط المحلات التجارية، التي تغلق باكرا بسبب انعدام الزبائن، لدرجة يضطر بعض الموظفين وخاصة النساء، إلى مغادرة دوام عملهم باكرا، للحاق بوسائل النقل باكرا، والبعض يفضل الركوب في الحافلة واقفا، على أن ينتظر في محطة قد تفرغ من وسائل النقل بعد وقت قصير.

الناقلون مجبرون على مسايرة حركية المواطنين

واعتبر أحد سائقي حافلات النقل الخاص، بمحطة بن عمر بالقبة لـ “الشروق”، أنه يضطر للتوقف عن العمل في 5 مساء يوميا، حتى في فصل الصيف “لأن حركية المسافرين تقل كثيرا بعد هذه الفترة.. إذ تعودنا على ظاهرة النهوض باكرا توجها للعمل والدخول بعد العصر مباشرة إلى بيوتنا”.

وبالمقابل، يؤكد زميله أن جميع المؤسسات العمومية والخاصة، تغلق أبوابها على 4 مساء، ونحن أصحاب الحافلات، مجبرون على مسايرة توقيت المواطنين”.

وحاولت السلطات استدراك الظاهرة، ومحاولة إنعاش المدن الكبيرة ليلا، فجاء مشروع “الجزائر لا تنام” سنة 2013، بهدف بعث الروح والحركة في شوارع مدينة الجزائر ليلا، مع تعزيز الخدمات والتنقل والتجارة بعد 6 مساء، لكن المشروع فشل تماما.

الجزائري كان أكثر حبا للحياة والسهر غداة الاستقلال

تفسر أستاذة علم الاجتماع، ثريا بويقي، لـ “الشروق” الظاهرة، بأن مدن الجزائر كانت منتعشة بعد الاستقلال مباشرة، حتى المتواجدة في مناطق داخلية، بل حتى المداشر والقرى، كانت تنام متأخرة ليلا، رغم انخفاض مستوى المعيشة وقتها، وشبه غياب كلي لوسائل النقل، “ولكن، الجزائريون وقتها كان لديهم إقبال كبير على الحياة، وشغف. ويعود الأمر لمعاناتهم الطويلة من قهر الاحتلال، فأرادوا التعويض عن ذلك بالتمتع بالحياة بعد الاستقلال ولو بأبسط الإمكانيات”.

وظاهرة انتعاش الحركية ليلا، وخاصة الثقافية منها، استمرت عبر كثير من المدن الجزائرية إلى غاية فترة الثمانينيات، التي تعتبر “فترة فاصلة” جدا في تاريخ الجزائر المستقلة، ففيها ظهرت أحداث سياسية مثل المظاهرات الشعبية، والاحتجاجات على غلاء المعيشة، وما لحقها من قرارات سياسية، مثل التعددية الحزبية والإعلامية، “وهي ظواهر جديدة على مجتمع ما بعد الاستقلال.. لتأتي العشرية الحمراء، التي قضت نهائيا على كثير من مظاهر الحياة والنشاط، وغيرت الطباع. فكثرة القتل والمجازر الجماعية من الجماعات الإرهابية، والاشتباكات، جعلت الجزائري يلزم منزله، وينام باكرا.. ليصبح السلوك بعدها عادة متأصلة، وعادت مدننا إلى السبات ليلا”، على حد قولها.

وبعد القضاء على الإرهاب، حلت مكانه الجريمة بمختلف أنواعها، وظهور آفات اجتماعية، منها تعاطي المخدرات.. كل هذا جعل العائلات تلزم منازلها خوفا من الاعتداءات ليلا.

وزارة النقل والثقافة أكثر المطالبين بإنعاش المدن ليلا

ولإعادة النبض والحياة لمدننا ليلا، ترى محدثتنا بأن الأمر ليس بالمستحيل، ويحتاج لتكاثف جهود العديد من الجهات، وقالت: “القرار ليس إداريا، إذ لا يكفي إصدار قانون يقضي بإلزام البلديات، أصحاب المحلات بفتحها ليلا. وإنما لا بد من جهود جماعية من جميع الوزارات، وخاصة وزارتي النقل والثقافة اللتين تلعبان دورا أساسيا في إنعاش حركية الليل، عن طريق فتح المسارح ودور السينما وقاعات العرض، وتنظيم مهرجانات ليلية، وإلزام وسائل النقل بالعمل ليلا”.

الإنارة الليلية غائبة في شوارعنا

ومن جهته، اعتبر رئيس الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين، الحاج طاهر بولنوار، في تصريح لـ” الشروق”، أن مشروع “العاصمة لا تنام”، يحتاج إلى توفير شروط وتشجيع المواطنين والتجار، من أجل الاستمرار في نشاطهم ليلا. وذلك، يكون بتوفير وسائل النقل المختلفة ليلا، وكذا توفير الأمن والإنارة.

وقال المتحدث: “الشرط الأساسي لإنجاح مشروع الجزائر “حيّة ليلا”، يوازيه إدارة جوارية لا تنام، كأن يستمر عمل البنوك ومصالح البريد والبلديات ليلا، مع تنظيم نشاطات سياسية وحزبية ومجتمعية ورياضية ليلا”.

بينما، يشير عضو في منظمة “المواطنة”، نبيل بلحلو، بأن إعادة إحياء المدن الجزائرية ليلا، تحتاج إلى تجنيد جميع المؤسسات، منها التربوية والجامعية، وإشراك المبدعين، وتحفيز التجار لفتح محلاتهم، وفرض مواقيت سير على الناقلين، مع ضمان الأمن، وتوفير ظروف التنقل الليلي، خاصة إنارة الشوارع والأزقة الضيقة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!