-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

العالم في تحوُّل

بن يغزر أحمد
  • 441
  • 0
العالم في تحوُّل

أن يكون العالم في تحوّل فهذا أمرٌ عادي، فأحداثه منذ الأزل تتوالى، وتوالى هذه الأحداث يولد تغيّرا وتطوّرا، لكن من المهم ملاحظة أن التحولات قد تتفاوت في السرعة وفي المدى وفي الامتداد، كما أن بعض التحولات يمكن إدراكها في لحظة وقوعها أو في إحدى مراحلها، لكن بعضها يحدث ببطء وبدون ضجيج مما يعسر من ملاحظتها إلا عندما تنهي دورتها وتسفر عن نتائجها.

إن التحول الذي نتحدث عنه هنا لا يتجه إلى ما نرصده من تسارع في “عالم الأحداث” الذي نعيشه بشكل يومي، وأصبح لوسائل الإعلام ووسائط التواصل قدرة هائلة على وضعه بين أيدينا وتحت أسماعنا وأبصارنا بشكل متتابع ومتسارع حتى أن بعضه أصبح يُنسي بعضه الآخر، ننام على سلة أخبار وأحداث ووقائع، ونستيقظ على سلة أخرى، وهكذا بشكل متواصل لا يكاد ينتهي.

ما نحتاجه هو رصد هذا التحوّل ليس في صوره الجزئية ولا في تفاعلاته اليومية ولا في منعرجاته العادية، ولكن في صورته الكلية وفي ظواهره، في خطوطه الكبرى، وهو ما يفرض الارتفاع قليلا عن ضغوط اللحظة وإغراءات الانطباع السطحي وخيالات التفكير الرغبوي.

هل ما نشهده اليوم هو مجرد صيرورة عادية ومألوفة لا تقتضي منا انتباها استثنائيا؟ وهل التحوُّل الحاصل الذي نشعر به أحيانا بالجرعة وأحيانا أخرى يأخذنا كوابل خريف غير متوقع هو نتيجة لتدبير جهة أو جهات تدفع به في اتجاهات معلومة ومحددة عندها؟ وهل موقعُنا من كل ذلك هو المتابعة والانتظار؟

كل التحوُّلات الكبرى في التاريخ لم تحدُث بشكل مفاجئ حتى وإن كان البعض لا ينتبه إليها إلا عندما تصل إلى محطتها النهائية، إنها تماما مثل الفيضان يبدأ بقطرات قليلة لكن مع مرور الوقت يتسارع سيلُه، وعندما يقترب من نقطة ذروتِه يصير من غير الممكن إيقافه أو توجيه مساره، وبصيغةٍ أخرى هو أشبه بما يطرأ على ملامح أوجُهنا من تغيرات لا ندركها في لحظتها حتى ولو حرصنا أن ننظر في المرآة كل صباح، ولو تتبّعنا على سبيل المثال كيف انهارت الامبراطوريات القديمة التي عرفها العالم وكيف اختفت الحضارات السابقة لأدركنا ذلك بوضوح.

ما يحدث في العالم اليوم يمثّـل المحطة الأخيرة من مسار التحول وكأننا بصدد نهاية مرحلة، ومن الطبيعي في هذه المرحلة أن تتسارع الأحداث، وتتزاحم الأسئلة ليس فقط عن ما هو بصدد الانصراف، ولكن وبشكل أكثر إلحاحا عن ما هو قادم، وإن كان البعض قد بشَّر بـ”نهاية التاريخ” عندما وضعت الحرب الباردة أوزارها في بداية العقد الأخير من القرن الماضي إيذانا بما كان يبدوا بأنه انتصارٌ للإيديولوجية الليبرالية، فإن كل ما وقع في العقدين الماضين من القرن الحالي يقول العكس تماما، إن الليبرالية نفسها تبدو في موضع شك، وتبدو القوى التي تتلبس بها في حالة من اللايقين والارتباك.

عندما نتحدث عن مرحلة بصدد محطتها الأخيرة كما يبدو، فنحن نقصد المرحلة التي بدأت لحظتها التأسيسية مع نهاية القرن الخامس عشر عندما نجحت أوربا في الانفلات من حمولة عصورها الوسطى، وانطلقت نحو العالم الفسيح تحت شعار “الكشوف الجغرافية” متسلحة برؤية توسعية استغلالية، مسنَدة بالمنجَز العلمي والصناعي الذي كان ثمرة نهضة “عصور التنوير” التي خلَّصت أوربا من سيطرة المثلث المتحالف “الكنيسة، الإقطاع، الملكية”.

ورغم المضمون الملتبس لكلمة “الغرب” فإنها تمثل اليوم العنوان السياسي والحضاري للكتلة التي قادت وتقود هذه المرحلة التاريخية وتشمل بالإضافة إلى أوربا الغربية، وأمريكا الشمالية، بعض الامتدادات الأخرى خارج “الغرب” بمفهومه الجغرافي.

لقد نجح هذا “الغرب” في فرض قيمه ومفاهيمه، وحولها إلى ما يشبه المشترك الإنساني المهيمن، سواء عبر الاحتلال العسكري أو التدخل المباشر في شؤون الدول، أو عبر الابهار بتفوقه العلمي والاقتصادي والتنظيمي الذي لا يشك أحدٌ أنه أعطى دفعا غير مسبوق للحضارة الإنسانية في كل المجالات، فاستحق بذلك أن يحتل بؤرة القيادة والتحكم والتوجيه.

لكن ذلك لم يكن بدون ثمن، فقد أبيدت بسببه شعوبٌ كاملة، وتعرضت بلدان عديدة للهيمنة القسرية وللنهب المنتظم لثرواتها وخيراتها، وللتفكيك المدروس والممنهج لبناها الاجتماعية والثقافية والحضارية، مما أفقدها أي قدرة على أن تمسك بمصيرها أو أن تحفظ سيادتها بعيدا عن حبل التبعية والتسليم، ورغم تراجع ظاهرة الاحتلال العسكري المباشر التي ميزت القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، إلا أن ذلك لم يمنع من تحوُّل نزعة الهيمنة والاستغلال التي مارسها الغرب سابقا إلى أشكال جديدة أسوأ وأقسى.

كل المؤشرات تقول إنَّ هذا المسار الذي كان “الغرب” بدوله وسياساته ومفاهيمه وقيمه ورموزه هو قاطرته، بدأ يلامس حدوده، وأن الدورة التاريخية لهذا المسار بدأت تقترب من الاكتمال لتفتح المجال لدورة تاريخية جديدة لم تسفر بعد عن كل معالمها وملامحها.

قد لا يكون من الممكن أن نحدد بدقة بداية هذه النهاية، هل هي انحسار الظاهرة الاستعمارية الأوروبية مع نهاية النصف الأول من القرن الماضي؟ أم هي ردود الفعل الهوجاء من طرف الإدارة الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر 2001؟ هل هي الاحتلال المباشر لأفغانستان ومن بعدها العراق وارتكاب فظاعات وجرائم حرب في هذين البلدين بما يخالف ما يسميه الغرب وأمريكا بالقيم الحضارية خاصتهم؟ أم هي أزمة الرهن العقاري التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2008 والتي كادت أن تودي باقتصاد هذا البلد ومعه كل الاقتصاد العالمي؟

ربما يرى البعض في ذكر مثل هذه الأحداث نوعا من النزوع نحو المبالغة والنظرة التسطيحية ونحن نتحدث عن عالم بصدد التحوُّل، فلطالما امتلك الغرب عبر مسيرته قدرة استثنائية على تصحيح أخطائه، وتجاوز أزماته، وحتى “شرعنة” جرائمه، ولا شك أن ذلك صحيحٌ، وتعد هذه الخصائص من دعائم قوته، لكن عندما نضع هذه الأمثلة – وهي على سبيل الذكر وليس الحصر-  ضمن تصور نهاية مرحلة فيصبح لها دلالات أخرى، وأعراض حقيقية لظاهرة تحدث.

ومما يعطي لهذا التقدير قوة أكثر أنه لم يصدر ابتداء من خصوم “الغرب” بل من بين أبنائه ومفكريه وفي وقت مبكر من أمثال الفيلسوف والمؤرخ الألماني شبنغلر(1880- 1936) صاحب كتاب “انحدار الغرب”، والمؤرخ الإنجليزي أرنولد تونبي (1889- 1975) في كتابه “بحث في التاريخ” وغيرهما، وإن كان هؤلاء كتبوا ما كتبوا من موقع الاستشراف والتوقع انطلاقا من مقدمات نظرية وتحليلية في الغالب، لكن ما نراه اليوم هو شواهد عملية ووقائع حقيقية تشير كلها إلى هذا المصير المحتوم.

العالم حتما في تحول، لكن ينبغي أن لا نتصوَّر أننا سنجده كذلك عندما نستيقظ غدا، أو حتى عندما نستقبل العام التالي، فمفهومُ وتقدير الزمن في تحوُّل العالم، ليس كمفهومه وتقديره في غيره من التحولات، لكن الأكيد أننا بصدد مرحلة السرعة القصوى فيه وليس أدلّ على ذلك من الاندفاع الواضح والملاحظ وغير المتوقع أحيانا على الأقل في سرعته في “عالم الاحداث”.

أورد عالم السياسة الأمريكي جورج فريدمان – ت 2016- في كتابه “الأعوام المائة القادمة” مثالا مهما قد يعزز ما يذهب إليه هذا المقال، أشار إلى ذلك عندما قارن بين وضعية أوروبا سنة 1900 عندما كانت مركز العالم، وبؤرة قوته السياسية والعسكرية والاقتصادية، وكيف أصبحت بعد عشرين عاما من ذلك أي سنة 1920 وهي فترة قصيرة بدون شك عندما تحولت إلى أشلاء ممزقة بسبب حرب موجعة هي الحرب العالمية الأولى، وكيف أن موازين القوى التي أسفرت عنها هذه الحرب سرعان ما تغيرت بشكل هائل بعد سنوات قليلة من ذلك، إلى درجة أن ألمانيا التي خرجت مهزومة من الحرب عادت بقوة، بل نجح جيشُها في الدخول إلى باريس وكاد يفعل نفس الشيئ مع لندن.

وفحوى هذا الاستدعاء للتحولات السريعة في مطلع القرن الماضي هي للإشارة إلى عدم الاطمئنان إلى ما يبدو ثباتا واستقرارا، فاحتمال التحول السريع لا حدود له، وإذا كان ذلك واضحا في المثال المذكور سابقا من فترة تاريخية بعيدة نسبيا، فإن ديناميكية التحول حاليا صارت أكثر سرعة وتدفقا وقوة وتداخلا، كما أن التحول المرتقب يتجاوز حدود المعتاد: هي ملامح عصر يغادر، وعصر ينبئ بالقدوم، وإن غدا لناظره لقريب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!