-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

العربية تخسر ثلاثة فرسان كبار

حسين لقرع
  • 738
  • 0
العربية تخسر ثلاثة فرسان كبار
محمد بتشين - عثمان سعدي - سعيد شيبان

شاء القدرُ أن تفقد اللغة العربية بالجزائر ثلاثة فرسان كبار في أقلّ من أسبوع، أنزل اللهُ عليهم شآبيب رحمته الواسعة.

أمّا الأوّل، فهو الجنرال محمد بتشين، المستشارُ الخاص للرئيس الأسبق اليامين زروال، وهو أحدُ أكبر أنصار التعريب بالجزائر، وقد أشار على زروال في أواخر 1996 برفع التجميد عن قانون تعميم استعمال اللغة العربية الذي صدر في 16 جانفي 1991 لكنّ التيار الفرنكفيلي المتغلغل في الحكم جمّده في 5 جويلية 1992، وأبقى على الوضع الراهن المتّسم بهيمنة اللغة الفرنسية على البلاد وحرمانها من استعادة سيادتها الثقافية.

واستجاب الرئيس زروال مشكورا لنصيحة بتشين ورفع التجميد عن قانون التعريب وأصدر أمرا في 21 ديسمبر 1996 يحدد آجالا جديدة لتطبيقه تنتهي في 5 جويلية 1998، وشرعت حكومة أحمد أويحيى في تطبيق القانون، وعرفت عدةُ وزارات تعريبا تدريجيّا لوثائقها واكبناه آنذاك بمتابعاتٍ إعلامية ميدانية، وكان التقدّمُ مشجِّعا في وزاراتٍ ومتثاقلا جدا في وزاراتٍ أخرى، لكن حتى التقدّم الضئيل الذي عرفته قطاعاتٌ وزارية محدودة، لم يرُق للتيار الفرنكفيلي النافذ فأوعز إلى جرائد فرنكفونية معروفة وجريدة ناطقة بالعربية بالقيام بحملة إعلامية شرسة على بتشين تواصلت أياما عديدة، وأجبرته على الاستقالة.

كما اضطرّ الرئيسُ زروال إلى إيقاف عملية تعميم التعريب في نهاية جوان 1998 حينما خرجت مظاهراتٌ في بلكور وأماكن أخرى، فور اغتيال الفنان معطوب الوناس في 25 جوان 1995، تطالب بتجميد التعريب وترقية الأمازيغية، وكانت تلك الضغوط المتتالية من أهمّ الأسباب التي دفعت زروال في أوت 1998 إلى إعلان الانسحاب من الحياة السياسية وإجراء انتخابات رئاسية مسبقة، وجاءت انتخابات 15 أفريل 1999 بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي تحالف بعض الوقت مع الأرسيدي، أحد أكبر أعداء التعريب في الجزائر، وجمّد قانونَ التعريب مجدّدا من دون إعلانٍ هذه المرة، وعرفت الفرنسية في عهده ازدهارا لم تعرفه قبله.

أما الفارسُ الثاني الذي ترجّل منذ أيام، فهو الدكتور عثمان سعدي، وهو أمازيغيٌّ شاويٌّ أصيل، طالما برهن على أنه لا تناقضَ بين الأمازيغية والعربية كما يحاول غلاة “البربريست” الإيحاء بذلك، وأنّ العرب والأمازيغ في هذه البلاد تعايشوا 14 قرنا في هذه البلاد، ولم تكن هناك مشكلة بين الطرفين أو اللغتين قبل العهد الاستعماري الفرنسي الذي اختلقها لتمزيق النسيج الاجتماعي الجزائري.

كان عثمان سعدي أحد أكبر فرسان العربية في الجزائر، هائما بحبّها، حريصا على التمكين لها، قلِقًا على وضعها؛ فبعد عقودٍ من الاستقلال لا تزال الفرنسية هي المهيمنة على الإدارات والوزارات والهيئات العمومية والمحيط العامّ والتعليم العالي، على حساب العربية التي هُمّشت في عقر دارها، وآلم هذا الوضعُ المهين الدكتور عثمان، فثار عليه مرارا وانتقده بشدّة، فجلب له ذلك تهميشا كبيرا في عهد الرئيس السابق، لكنّه واصل نضاله من أجل استعادة العربية مكانتها بين قومها وفي بلدها، وبقي وفيًّا على العهد إلى آخر يوم في حياته.

أمّا الفارس الثالث فهو الدكتور سعيد شيبان، وهو أمازيغيٌّ أصيلٌ آخر من البويرة، وطبيبُ عيون ذو تكوينٍ فرنكفوني لم يمنعه من الاجتهاد في تعلّم العربية وخدمتِها بما يستطيع، وتكفيه بهذا الصدد، مساهمتُه سنة 1983 في وضع القاموس الطبي الموحّد بثلاث لغات، وهي العربية والإنجليزية والفرنسية، وهي خدمة علمية نوعية للغة الضّاد، حتى لا يقال إنها فقط لغة أدب وشعر ولا علاقة لها بالعلم…

هم ثلاثة فرسانٍ كبار خدموا العربية بما يستطيعون، ولكنهم رحلوا من دون أن يروها تستعيدُ مكانتها كاملةً في بلدها، صحيح أنّ هناك خطوات لتعريب عددٍ من الوزارات والمحيط العامّ في السنتين الأخيرتين، ولكنّها لا تزال تواجهها تحديات وبحاجة إلى حرص ومتابعة دقيقة ودائمة لعملية تعميم التعريب، وهو ما يتطلّب من الغيورين على العربية مواصلة درب بتشين وسعدي وشيبان، رحمهم الله جميعا، ورحم كلَّ من خدم العربيةَ في هذه البلاد وسعى إلى تمكينها من استعادة سيادتها في عقر دارها؛ سيادة كاملة غير منقوصة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!