-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“الــــــــزم دينــــك إذا اختلفـــــــت الأديـــــــــــان”!

سلطان بركاني
  • 883
  • 2
“الــــــــزم دينــــك إذا اختلفـــــــت الأديـــــــــــان”!

ما من مسلم صادق إلا وهو يتمنّى أن يرى أمّة الإسلام أمّة موحّدة متآلفة، ويدا واحدة على أعدائها والمتربّصين بمقدّساتها، وهو مطلب يمكن لو عاد المسلمون إلى المعين الصّافي، كتاب الله وسنّة رسوله- صلى الله عليه وآله وسلّم- وطرحوا التعصّب للأهواء والطوائف والجماعات والأحزاب، وتخلّوا عن الولاء الأعمى للسّادة والقادة والمشايخ، وتحلّوا بأدب الخلاف في المسائل الاجتهادية التي لا يضرّ

الخلاف فيها بدين المسلمين أو دنياهم.

لعلّ ممّا يبعث على الأسى لحال الأمّة المسلمة في هذا الزّمان أنّ التّناحر بين المسلمين لم يعد مقتصرا على الخلاف الحاصل بين طوائف الأمّة المختلفة، ممّا قد يكون بعضه خلافا بين حقّ وباطل، وإنّما شمل أيضا الخلاف في مسائل الاجتهاد في بعض فروع العقيدة وفي مسائل الفقه، في ظلّ غياب شبه كامل لأدب الخلاف، ما أدّى إلى نفور كثير من المسلمين من تعلّم ما يلزمهم تعلّمه من أمور دينهم، بل إنّ بعضهم لاذوا بشعار “إذا اختلفت الأديان فاحتفظ بدينك”، وهو ما كان قبل عقود من الزّمن يعني التمسّك بموروث الآباء والأجداد، ثمّ أصبح بعدها يعني الرّكون إلى ما تهواه النّفس!.. ومع استشراء ثقافة التّعميم، أصبح بعض المسلمين يأنفون من متابعة أخبار إخوانهم ومن الاهتمام بقضايا الأمّة، بحجّة كثرة الخلاف والاختلاف وتعدّد الجماعات!… فهل هذا هو المخرج الذي تبرأ به ذمّة المسلم إزاء ما تعيشه أمّة الإسلام؟ ثمّ لماذا نصرّ على السّلبية وعلى الاستقالة من أداء حقّ الدّين والأمّة علينا؟ لماذا ننصاع لنزغات الشّيطان الذي يصوّر لنا أنّ الاختلاف قد عمّ وطمّ وشمل قضايا الدّين صغيرها وكبيرها، وأنّه لا يمكن للأمّة أن تخرج من هذا الاختلاف أبدا؟

إنّ أوّل خطوة على طريق الخلاص من هذا الاختلاف، هي أن نتخلّى عن التّشاؤم والتّعميم.. الاختلاف الحاصل في الأمّة في هذا الزّمان اختلاف قاتل أدّى إلى إسالة الدّماء وإزهاق الأرواح وإلى ممالأة بعض المسلمين للصهاينة والصليبيين ضدّ إخوانهم، لكنّه قد حصل مثله وما هو أنكى منه في تاريخ هذه الأمّة، ثمّ زالت سحائبه في محطّات كثيرة من التاريخ، وعاد للمسلمين سؤددهم وعزّهم.

ثاني خطوة على طريق الخروج من هذا الواقع، هي التخلّي عن المثالية، بمعنى ألا ننتظر من الأمّة أن تكون

جميعا على كلمة واحدة وعلى قلب رجل واحد، دون أن يكون بينها من يشذّ عن جمهورها، فالطّوائف الباطنية مثلا، كانت في الأمّة وظلّت وربّما تبقى إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.. تحتاج الأمّة فقط إلى أن تستفيد من تاريخها في التعامل مع هذه الطوائف، بحيث تحول بينها وبين قيادة سفينة الأمّة إلى حيث أطماعها الطائفية الضيقة، وتعزلها عن التأثير وعن إرباك سواد الأمّة ومدّ الحبال لأعدائها.

الخطوة الثالثة على طريق التخلّص من التناحر القاتل، هي إشاعة ثقافة الخلاف في مسائل الاجتهاد ولفت انتباه عموم المسلمين وخاصّتهم إلى مساحة الاتّفاق الواسعة.. أليس المسلمون مجمعين على أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله؟ ومجمعين- إلا من شذّ من الطّوائف الباطنية- على أنّه لا يجوز دعاء غير الله، ومجمعين على أنّه لا نجاة ولا صلاح إلاّ باتّباع كتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وعلى أنّ في اليوم خمسَ صلوات يجب أن تؤدّى في أوقاتها، وعلى أنّ الصّبح ركعتان والظّهر أربع، وهكذا؟ أليسوا مجمعين على أنّ في كلّ ركعة قراءةً وركوعا وسجدتين، وعلى أنّ صوم رمضان واجب، وأنّ في المال زكاة إذا بلغ النّصاب، وأنّ الحجّ واجب؟… أليسوا مجمعين على أنّ الخمر محرّمة والمخدّرات محرّمة والرّبا محرّم والرشوة محرّمة؟ ومجمعين على أنّ الزّنا محرّم وكلّ ما يدعو إليه من تبرّج وخلوة واختلاط ونظر وغناء، محرّم؟.. أليس قد أجمعوا على أنّ عقوق الوالدين محرّم، وأنّ أذيّة الجيران محرّمة، وهكذا… كم هي كثيرة الأصول والمسائل التي اتّفق حولها العلماء وأجمعت عليها الأمّة؛ فلماذا نغضّ الطّرف عن مواضع الاتّفاق وننظر بعين ثاقبة إلى مواضع الاختلاف لنجد المبرّرات لتقصيرنا في ديننا؟..

الاختلاف في فروع المسائل كان منذ عهد الصّحابة وسيبقى إلى يوم القيامة، ولا يمكن توحيد المسلمين على رأي واحد في كلّ مسألة ولا يجب ذلك، وليس في هذا النّوع من الاختلاف عذر لأحد أن يترك طلب حكم الشّرع فيما يُقْدم عليه..

الخلاف في مسائل الاجتهاد لا ينبغي أن يجعل المسلم يُعرض عن تعلّم دينه والاهتمام بقضايا أمّته فضلا عن أن يحمله على الإزراء بالعلماء والدّعاة، إنّما ينبغي أن يجعله يستفرغ وسعه ويسعى في تحرّي الصّواب إن كان ممّن يمكنه التحرّي، وكلّما كان جهده في البحث عن الصّواب أكبر، كان أجره أعظم، أمّا إن كان المسلم لا يمكنه تحرّي الصّواب، فإنّ ذمّته تبرأ بالأخذ من العالم الذي يثق في دينه وتجرّده في طلب الحقّ وقوله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • محمد العربي

    أسفا سيدي لن نتفق حتى نخضع لقوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) و لن نخضع لهذا حتى نجيب بصدق عن قوله تعالى( قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ)

  • نورالدين الجزائري

    هكذا يقول المثل الجزائري العريق لذا تخلطت لديان أحرز دينك