الأحد 25 أوت 2019 م, الموافق لـ 24 ذو الحجة 1440 هـ آخر تحديث 21:51
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

بقلمسلطان بركاني

الفحش والتفحّش في الكلام.. الواقع والمآل

  • ---
  • 0
ح.م

لعلّ ممّا يدمي القلوب الحيّة في هذا الزّمان، ما آلت إليه أحوال كثير من المسلمين، من بُعد عن أخلاق وآداب دينهم، حتى غدا الإسلام غريبا بين أهله، وأضحت أخلاقه وآدابه حبيسةً بين أوراق الكتب وخطب الجمع التي لا تتجاوز الآذان، وصار كثير من المسلمين حائط صدّ يحول دون اعتناق غير المسلمين لدين الله الحقّ، ولولا أنّ الله قيّض بعض الصّادقين في الغرب لترغيب النّاس في دين الله، ما اعتنق الإسلام أحد، وقد أعلنها كثير من الغربيين الذين دخلوا في دين الله ثمّ رأوا واقع المسلمين في البلاد الإسلامية، فقالوا: “الحمد لله أنّنا عرفنا الإسلام قبل أن نعرف المسلمين”، لِمَا رأوا من سوء أخلاق المسلمين، وسلاطة ألسنتهم.

لقد تحوّلت الألسن التي يفترض أن تكون وسيلة للدّلالة على الخير؛ تحوّلت عند كثير من المسلمين إلى مجانيق تقذف بالحمم، وإلى سيوف تقطع وعقارب تلسع وثعابين تلدغ.. عمّ الفحش والتفحّش في الكلام، إلا مار حم الله، وصار ما تلفظه الألسن لا يكاد يخلو من كلمات سبّ ولعن وطعن، وألفاظ فجور وثبور، وعباراتٍ نابية تحوم حول أخسّ أعضاء الإنسان، يكسف منها الحياء خجلا. كلمات وألفاظ وعبارات لم تعد مرتبطة بأحوال الغضب، بل صارت تجري على الألسن في الأحوال العادية، وأصبحت عادة وطبعا لدى كثير من النّاس.

فحش وتفحشّ في الأسواق وفي الشّوارع وفي المحلات، وفي الملاعب والأماكن العامّة ووسائل النّقل، حتى صار كثير من المسلمين وبخاصّة الشّباب لا يكاد الواحد منهم ينطق إلا بساقط الكلام وبذيء القول، ويرى أنّ ذلك من تمام الرّجولة والفحولة، ولا يكاد يحصل جدال بين شابّين من شبابنا إلا وتنطلق من أفواههم الحمم التي تصمّ الآذان وتدمي القلوب. أمّا إن حصل خصام بين اثنين منهم، فحدّث ولا حرج عمّا يخرج من الأفواه من كلام سافل وسباب مقذع، يصل إلى اتّهام كلّ منهما لعرض الآخر وعرض والديه بأشنع العبارات، بل ربّما يتماديان إلى سبّ الخالق جلّ في علاه بأبشع الكلمات!

مات الحياء في النّفوس وصار أمرا عاديا أن يقف الشابّ على قارعة الطّريق ليتغزّل ببنات المسلمين ويسمعهنّ كلّ كلمة ساقطة وبذيئة. من دون أن يجد رادعا ولا زاجرا، بل قد صارت هذه الحال واقعا لكثير من بنات المسلمين اللاتي وصلت الصّفاقة ببعضهنّ إلى التلفّظ بكلمات كانت قبل سنوات قليلة حكرا على الشّباب الطّائش!

واقع أصبح فيه الواحد منّا يندى جبينه ويُدفن في جلده وهو يجوب الشّارع، لِمَا يسمع من بذيء القول وساقط الكلام، وصار الرّجل الحييّ يتحاشى أن يسير في الشّارع مع أبيه أو أخيه أو ابنه أو زوجته، خشية أن يسمع ما يكون وقعه على الآذان أشدّ من وقع الرّصاص المذاب.. ولعلّ ما يقطّع القلوب حسرة وألما أنّ هذا الواقع انتقل إلى مدارسنا وإكمالياتنا وثانوياتنا وجامعاتنا، وصارت الكلمات النابية أكثر الكلمات رواجا في المدارس، بل وأصبحت الأغاني السّاقطة تتردّد على ألسنة كثير من التلاميذ والطّلبة أكثر ممّا تتردّد الأناشيد المقرّرة، أغانٍ تحوم كلماتها حول معاقرة الخمور ومقارفة الفجور ووصف النّهود والشّعور، سجّلت في الحانات والملاهي وعلب اللّيل، تنطلق من حناجر مغنّين اشتهروا بمغامراتهم الطّائشة التي أصبحت مادّة دسمة لكثير من الجرائد. أغانٍ يسمعها أبناؤنا في حفلات الأعراس الصّاخبة وفي صالات الألعاب ومقاهي الأنترنت، ثمّ يردّدونها بكلّ فخر في المدارس دون حياء ولا خجل ولا وجل.

لقد فجعنا في مدارسنا بأطفال في سنّ السّادسة تنطق ألسنتهم بكلمات تصمّ الآذان، يستحي الحييّ من وصفها فضلا عن حكايتها؛ يردّدها الواحد منهم أمام زملائه وربّما بين يدي معلّمه بكلّ طلاقة وصفاقة، ويسبّ الواحد منهم زميله بأقذع الألفاظ مستعملا أخسّ الإشارات، وربّما يسبّ والديه ويرمي أمّه بالبهتان، بل قد صرنا نسمع بتلاميذ وطلبة يسبّون معلّميهم وأساتذتهم بأبشع وأقذع الألفاظ. والأدهى من كلّ ما سبق أنّ منحدر التفحّش قد بلغ بتلاميذَ في المرحلة الابتدائية إلى سبّ الخالق جلّ جلاله بكلمات تحوم حول أخسّ الأعضاء!

هذا الواقع لم ينتقل إلى مدارسنا إلاّ بعد أن أصبح مألوفا في كثير من البيوت، يوم صار الأخ يسبّ أخته بأقبح الكلمات، وصار الأب يسبّ أبناءه بأشنع العبارات، والأمّ تسبّ بناتها بأبشع الألفاظ، بل قد صار بعض الأبناء يسبّون آباءهم وأمّهاتهم بما يتشقّق له الحجر.. وهل يمكن أن نتوقّع غير هذه النّتيجة يوم أضحى الحياء عند كثير من أطفالنا وشبابنا وفتياتنا تخلّفا ورجعية وموضة قديمة أكل عليها الدّهر وشرب؟

مقالات ذات صلة

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close