الإثنين 17 جوان 2019 م, الموافق لـ 14 شوال 1440 هـ آخر تحديث 22:49
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

الفضائيات وثقافة العشيرة الإعلامية

محمد بوالروايح كاتب وأستاذ جامعي
أرشيف
  • ---
  • 9

يجمع السياسيون والاجتماعيون والاقتصاديون على أن الزمن الذي نعيشه هو زمن التغيير الشامل، وذلك بعد فشل كل النظريات والمشاريع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي وضعتها بعض “النخب” التي تصف نفسها أو يصفها أتباعُها بأنها ينبوع الحكمة وأنها أجدر من غيرها بإدارة شؤون البلاد والعباد.
إن الفشل الذريع لهذه النخب في هذه المجالات حقيقة لا تقبل الجدل، ولكن التغيير في نظري لا يقتصر على هذه المجالات بل يشمل كل المجالات الأخرى ومنها المجال الإعلامي، فقد ظلت الفضائيات تصدّع رؤوسنا بنقل الأصوات المعارضة من داخل الكيانات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمُطالبة بالتغيير الشامل، ولكن نسي القائمون على هذه الفضائيات بأنهم معنيون أيضا بهذا التغيير وخاصة في ظل تحول بعض القنوات الإعلامية إلى ما يشبه “عشيرة إعلامية” تُدعى لها في الغالب شخصياتٌ محددة وتحضرها وجوهٌ مكررة تحتكر “البلاطوهات” الإعلامية كأنها خُلقت لها وجُعلت خالصة لها من دون الآخرين.
من غير المقبول أن تنتقد بعض الفضائيات المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأنها احتكرت المشهد أو تحوّلت إلى ما يشبه المعبد وساست السائرين في فلكها بسياسة “كهنة المعبد” في الوقت الذي نجد فيه هذه الفضائيات نفسها غارقة في تكريس ثقافة “العشيرة الإعلامية” ورافضة للتغيير الذي من مقتضياته تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص الذي يتيح لكل الشعب ولكل النخب -من باب أولى- التعبير عن أفكارهم وإيصال كلمتهم إلى الجموع المتحلقة حول الفضائيات.
قد يبدو مصطلح “العشيرة الإعلامية” مصطلحا غريبا لأنه ليس من المصطلحات الشائعة والمتداولة، وأعترف هنا أنه من ابتداعي لأنني لم أجد مصطلحا بديلا يمكنه التعبير عن الحالة التي أتحدث عنها إلا مصطلح “العشيرة الإعلامية” وذلك لأن العشيرة –كما يقول البلاغيون- هي تجمُّعٌ بشري معدود ومحدود يضم جماعة متناسقة ومتناغمة يجمعها الأصل الواحد والمصير الواحد، ولذلك تجدها تنافح وتدافع عن نفسها بكل الوسائل ضد الغارات التي تستهدف بيضتها وتروم تشتيت جمعها.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على جماعة مخصوصة تُدعى دون غيرها في كل مرة للحديث في اختصاصها وفي غير اختصاصها عن كل حادثة ونازلة فتلبس على المشاهد لما تأتي به من العجائب والغرائب التي لا يصدِّقها عاقل؟.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على شرذمة قليلة من المتحدثين الذين تُلبِسهم تارة لباس المحللين السياسيين، وتُلبسهم تارة ثانية لباس المؤرخين المتخصصين في تاريخ الحركة الوطنية، وتُلبسهم تارة أخرى لباس المتخصصين في القانون الدستوري، وتُلبسهم تارة رابعة لباس المحللين الاجتماعيين والنفسانيين.. وهلم جرا؟.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على “شيوخ” اختلسوا وصف “فضيلة الشيخ” وتصدوا للفتوى وهم ليسوا -بإجماع أهل الرأي- من الفقهاء والمفتين ولا يُعرف لهم رصيدٌ من فقه التنزيل وعلم التأويل ولا يُعرف لهم شيخٌ صعودا ونزولا؟.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على بعض المشعوذين والمتفيهقين الذين يخلطون الأحكام الشرعية بالخزعبلات والترهات والمهاترات الكلامية، الذين يلبسون على المشاهدين -و لو بطريقة غير مباشرة- بإيهامهم بسلطان الجن على الإنس فيصدِّق أكثرهم هذا ويسلمون ويستسلمون وينسون قول رب العزة: “إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين”؟.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على من يحدث الصائمين في شهر القرآن عن علاقة الجني بالإنسي وعلاقة الإنسي بالجني وحكم صدقة الإنسي على الجني وحكم صدقة الجني على الإنسي، ثم يسمون كل هذا الهراء “نفحات رمضانية”، أي نفحات رمضانية هذه التي لا نسمع فيها إلا حديثا عن المس وسكرة النفس بفعل فعل جني أو عمل سحري يجعل المتوهمين يحجون طوعا وكرها إلى “عيادات” المشعوذين ويضربون إليها أكباد الإبل طلبا للشفاء بأي ثمن؟.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على من يقرأ الفنجان في مشهد خرافي جاهلي يعود بنا القهقرى إلى زمن الجاهلية الأولى الذي ولى تحت وقع النور النبوي الذي شعَّ في سماء مكة على فترة من الرسل؟.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على من يحدِّث المشاهدين عن حالات الفساد ويسوق أرقاما خيالية ما أنزل الله بها من سلطان أو يقدم على أنه “خبيرٌ اقتصادي” في حين أن المتحدث المسكين بينه وبين الاقتصاد بُعد المشرقين؟.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على من يُقدَّمون للمشاهدين على أنهم صفوة النخبة ووعاء الحكمة، تراهم فتعجبك ربطة عنقهم ولكن تسمع لقولهم فتجدهم على ختم الله لا يفقهون كثيرا ولا قليلا من مسائل الدين والحياة؟.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على مقدم برنامج ساخر ليحلل الواقع السياسي أو يتحدث عن آليات ومآلات الحراك الشعبي في الوقت الذي تزخر فيه الجزائر بأعداد كبيرة من حملة الشهادات الذين تخرجوا من أرقى الجامعات والمعاهد السياسية؟.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على ثلة من أشباه المفتين الذين يتصدرون مجالس الفتوى من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير في الوقت الذي نجد فيه جيشا من الفقهاء والخبراء المتخرِّجين في الجامعات والمعاهد الإسلامية ينتظرون التفافة من أهل الحل والعقد أو ينتظرون دورهم في التوظيف لتأمين الرغيف كأقرانهم؟.
ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على ثلة من المتكلمين الذين لم يمسسهم تغيير ولم يطلهم تبديل منذ عقود وشب على رؤيتهم كل مولود إلى أن شب واشتعل رأسه شيبا؟.
إن سلوكات هذه الفضائيات –و ما ذكرته غيض من فيض- يجعل هذه الفضائيات أو بعضها على الأقل يصدق عليها وصف “العشيرة الإعلامية” إلا أن تغيِّر فلسفتها وتؤمن بأن الإعلام خدمة عمومية وأن المؤسسة الإعلامية متاحة لكل الكفاءات والفعاليات من دون تمييز.

مقالات ذات صلة

  • اخزوا الشيطان!

    فعلا، لم يبق ما يقوله المناضلون العقلاء في الأفلان والأرندي، والنقابيون في المركزية النقابية، لبوشارب وأويحيى وسيدي السعيد، سوى "ألعنوا الشيطان.. اخزوا بليس"(..)، فهذا الثلاثي…

    • 392
    • 0
  • وزراء انتقاليون

    كثيرٌ من أعضاء الحكومة الحالية، وفي كل الحكومات، من بقي فيهم حيا وحتى من مات.. كلما اقترب تغييرٌ حكومي مرتقب، يمسكون كروشهم، مثلهم مثل الولاة…

    • 443
    • 4

التعليقات في هذا الموضوع مغلقة!

9 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • متسائل

    عقلية القبيلة و انا و بعدي الطوفان و عشيرتي اولى و نحن نعلم علم الاولين و الاخرين مستشرية في المجتمعات المتخلفة الغير مبنية على الكفاءة العمل العلم و التجربة … الحسد البغضاء سلاطين المكر الحيلة و الخبث وزراء الكذب الرياء القذف و البهتان مدراء عامين الشيتة و لحيس السبابط و اكل الفضلات عمال كسلاء او برازيت .

  • صالح بوقدير

    وهو كذلك لكن السماء ملئت حرصا شديدا وشهبا

  • ياسمين ..دكتورة في علم الاجتماع

    لو درسنا طبيعة الانسان دراسة موضوعية لوجدناه يجري وراء الشهرة وهو كلما ازداد اشتهاره بين الناس ازداد هو سعيا في سبيل تدعيمها وحرصا عليها …..
    وهذا هو سبب ما نرى من حب للزعامة في المجتمعات التي تقدر الزعامة !
    ان المجتمع المزدوج يقل فيه ظهور زعماء الاصلاح بتعبير آ خر ( قادة التغيير ) في الغالب فكل قائد يظهر يقابله الناس بالجدل والشغب والانتقاد انهم يجيدون عيبا في كل رجل يظهر بينهم مهما كان نبيلا !
    و القائد لا يعتمد على مواهبه – فقط – انما يعتمد أيضا على تقدير الناس له وتشجيعهم اياه و المجتمع ( المزدوج ) لا يقدر ولا يشجع كما قلنا وعليه فالامة لا تستطيع أن تخلق من شخص تافه قائدا !

  • يتبع

    ان الوعظ يجعل الناس شديدين في نقد غيرهم فالمقاييس الاخلاقية التي يسمعونها من أفواه الوعاظ عالية جدا و لا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم فيلجاون الى تطبيقها على غيرهم ويشتد هذا الامر في المجتمعات الدينية فلا يكادون يلمحون في احد قولا أو فعلا منافيا لما وعظوا به حتى ينهالوا عليه لعنا وذما وقد وصف مكيافيلي مجتمعه الذي كان يشبه في ازدواجه مجتمعنا فقال : من الممكن أن يقال بوجه عام أن الانسان منافق سليط اللسان ناكر للجميل يحب الربح ويكره الخطر وما دمت تنفعه فهو من أتباعك اذ هو يقدم في سبيلك دمه وروحه و مقالاته والأمير الذي يعتمد على أقوالهم يحطم فالصداقة التي ينا لها بالشراء قد تنقلب في لحظة !

  • مواطن

    ليتك سميت القنوات والأشخاص بأسمائها ولو (بالحروف الأولى).. لأن كل من يقرأ هذا في ذهنه عشيرة إعلامية غير عشيرته .
    تحياتي

  • متسائل

    الى الاخت ياسمين ان الانسان يحب المال حبا جما و يطغى ان تحصل على هذا المال و ينسى اصله و فصله و يحب ان يحمد بما لم يفعل و يستعلي و يفتخر… الا عباد الله المخلصون الذين في اموالهم حق للسائل و المحروم و اذا اصابهم البغي فهم ينتصرون و الذين يمشون على الارض هونا … لكن كلما كان الحكم عادل و فيه شدة و غلظة استقامت النفوس اما خوفا او طوعا … اما في المجتمعات التائهة القبلية حيث طغى المال الفاسد الكذب و الانتماءات العرقية المزيفة و كثرة الحذيث عن عرق انساني خارق لم نره بعد بل كل ما راينا عفنهم فسادهم سرقاتهم و لغتهم الركيكة.

  • عامر

    والله لما رأيت مشعوذا ذو سوابق عدلية يعض الصائمين في “نفحات رمضانية” على إحدى القنوات أدركت أننا سرنا في الاتجاه المعاكس للحضارة والتطور والتبصر سبحا طويلا..ولا عجب في أن ينتشر الجهل والتخلف والجريمة في ربوعنا..فما حيلتنا؟ نحن الآن نبكي كالنساء وطنا وأمة لم نستطع المحافظة عليهما كالرجال.

  • محمد

    المسألة تكمن في افتقار ملاك تلك القنوات والإعلام على العموم إلى ثقافة حقيقية.إن الجهل والتخلف المعرفي والحضاري يفسح المجال للجهلة كي يملأوا الفراغ القائم.حتى الذين تذكرهم ممن ينتظرون دورهم في الوصول إلى الواجهة لم يملكوا من العلم إلا القليل.ذلك أن المدرسة واحدة والجامعات متساوية في الضعف والخمول بل في التخلف والانحلال.لو كانت مشكلة بلدنا منحصرة في المستوى المعرفي لسهل تسويتها لكن سيطرة الوصوليين الجهلة على زمام الأمور يمنع نور الحضارة من لمس العقول الجامدة.ليست أجهزة الدولة فقط معنية بهذا الداء لكن شعبنا كله قابل للتخلف الفكري.انظر إلى روح القبلية الاجتماعية كيف انغلقت على نفسها وسدت باب النور

  • hayar

    يا استاذ عامر سيدنا يوسف عليه السلام كانت له سوابق عدلية و تهم و فضائح هذا لم يحل بينه و بين السيادة و الريادة لنكن بشرا سويا و لا نكن ملائكة …

close
close