إدارة الموقع

الفنّ في العالم العربيّ.. الواقع والمأمول

سلطان بركاني
  • 404
  • 4
الفنّ في العالم العربيّ.. الواقع والمأمول

لا يخفى على أحد مدى الدّور الكبير والمهمّ الذي يلعبه الفنّ، في صناعة القناعات وتوجيهها وتغييرها، وفي غرس المفاهيم التي يريد أباطرة السياسة والإعلام غرسها في المجتمع المتلقّي على اختلاف أفراده وتفاوت طبقاتهم. فهو لا يؤثّر في الأطفال والأفراد محدودي المستوى والتفكير، بل يؤثّر –كذلك- في كثير من المتعلّمين وأصحاب المستويات العالية، بفضل وسائل التأثير التي يعتمدها وتجعل المتلقّي أسيرا بين يدي النّجوم وكبار الفنّانين الذين يخوضون أطول وأصعب المغامرات (!) لترسيخ فكرة معيّنة يكون من الصّعب على المتلقّي رفضها أو حتّى التفكير في محاكمتها إلى العقل والواقع.

تجد المثقّف، يعترض على ما يقوله عالم الدّين وإمام الجامع، لكنّه لا يعترض أبدا على فكرة سعى نجم من نجوم الفنّ بالتعاون مع عدد من الفنانين لإيصالها! وقد يهتمّ المثقّف بالتنقيب في ولاءات العالم أو الإمام وفي حياتهما بحثا عن ثغرات ونقائض يدخل من خلالها لرفض الكلام الذي نطق به العالم أو الإمام، وربّما يهتمّ بمستوى العالم والإمام التّعليميّ، وحُقّ له ذلك، لكنّه لا يسأل أبدا عن مستوى الفنّان!

لو كان الفنّ في البلدان العربية يحمل رسالة تخدم هوية الأمّة، وحاضرها ومستقبلها، ربّما هان الأمر بعض الشّيء، لكنّ هذا الفنّ هو –في الغالب- فنّ موجّه وعلى المقاس، يعرضه ممثّلون يبدعون في عزف السمفونية الجاهزة؛ احتكروا السّاحة الفنية وأتخموها بأعمال تهدف إلى ترويض العقول وتخنيث الأفكار، إضافة إلى الأدوار الأخرى المعروفة كالإلهاء والإغواء وتمييع القضايا الجادّة وحتى المصيرية.

لم تعد الكفاءة هي معيار التفاضل بين المنتمين إلى الوسط الفنيّ، بعد أن أصبح الاستعداد لخدمة السياسات، والجرأة على كسر الطابوهات والقفز على المحرّمات، هي المعايير الأهمّ.. فكم من نجوم أصبحوا ملء سمع الإعلام وبصره، ليس لمواهبهم أو إبداعاتهم إنّما لتماهيهم مع المطلوب والمرغوب!

لم يعد في الأوساط الفنية العربية مكان لمن يحمل هموم أمته العربية بله الإسلاميّة، ولا لمن يحمل مبدأً ساميا في هذه الحياة.. ولذلك لا يُستغرب أن يتطوّع فنانو المهام الجاهزة لتبرير الخيانات التي تتوالى فصولها، بعد أن سخّر الفنّ لتخويف المجتمعات العربية من التديّن، حيث صوّر الالتزام بشعائر الدين على أنّه جهالة وتشدّد وتطرّف، في الوقت الذي يصوّر الانغماس في الشهوات على أنّه اعتدال وتناغم مع الواقع.. أفلام ومسلسلات وحصص يُرصد معظمها للشّهر الفضيل! فكرتها الأساسية تحوم حول تشويه صورة المتدينين والتنفير من النّاصحين، ورمي علماء الأمّة بالانغلاق وربّما العمالة للأجنبيّ! يؤدّي الأدوارَ فيها فنّانون أكثرهم لا يفرّقون بين الفضيلة والرذيلة، ولا مكان في قواميسهم للعبارات التي تتعلّق بالدّين والأخلاق!

مهما ظهر أنّ هذه الأعمال التي يوظِّف مخرجوها وممثلوها شتّى أساليب التأثير، تحظى بأرقام مشاهدة مليونية على القنوات وحتى على مواقع التواصل، ومهما بدا أنّها تؤثّر في الوعي العامّ، وظهرت آثارها في قطاع عريض من الشّباب الذين يحملون فكرا مرهفا وهِمما تحوم حول العواطف في زمن التدافع، وألسُنا تُمعن في جلد الذات وتحميل الضّحايا مسؤولية النكبات.. مهما بدا كلّ هذا فإنّ التدجين الفنيّ والإعلاميّ مهما بلغ في تأثيره، فلن يطال ذخر الأمّة من أصحاب الهمم العالية، وحتى ضحاياه ستنكشف عنهم غشاوة الزّيف عندما يأذن الله ببدء العد التنازلي لأفول زمن الباطل.. وكما أنّ هناك إعلاما بديلا للإعلام الموجّه، فإنّ هناك أيضا فنا بديلا رساليا هادفا بدأ يشقّ طريقه في مختلف وسائل التواصل الاجتماعيّ، ليس له موجّه ولا هدف سوى نشر الوعي وكشف الزّيف وإعلاء الهمم وبثّ الاعتزاز بالدّين والهوية.. والعاقبة للمتقين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • amremmu

    العرب والمسلمين يحرمون الفنون فبينما نجد الدول المحترمة تجني منه الملايير وبالتالي تحاول المحافظة عليه ... فنحن نخرب الأثار وما حدث في عين الفوارة لم يحدث سوى في أفغانستان طالبان وفي عراق الدواعش .

  • جبريل اللمعي

    مَن استبرأ لدينه وعِرضِه لم يَستقبِل التلفزيون بوجهه ينظرُ إلى من لا تحِلُّ له رؤيتُها. نعوذ بالله مِن الخُذلان. كيف تضمَن أنّ الله عز وجل لن يحاسِبَك على النظر إلى الأجنبيات في التلفاز وهو القائل: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)، أي عن الماء البارد تشرَبُه والحذاءِ تنتَعِلُه؟ لا تنسَ أن هذا النظر (الفنّ!!!) لا ضرورة له، بل هو من الفضول (أي الأشياء التي لا تحتاجها فعلا).

  • تنهنان

    ما تسميه بالفن العربي هو الذي خرب أخلاق الجزائريين والجزائريات وهذا عندما أستوردوا لنا أفلاما ومسلسلات تسوق لثقافة الأنحلال الغريبة عن المجتمع الجزائري الذي كان يقدس المرأة ويعتبرها منبع للخير والطيبات ، والآن أصبحت بفضل هذا الفن وهذه الثقافة المستوردة مجرد وسيلة لإشباع الرغبات الحيوانية لدى الذكور ...

  • قل الحق

    اذا كان الحياء شعبة من الايمان فكيف نسمي قلة الحياء فنا، انه العفن و ليس الفن بكل نزاهة و بساطة.