-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
لقاءات مؤثرة بعد فراق طويل

الفيسبوك يجمع تلاميذ “العصر الذهبي” بأساتذتهم  

وهيبة سليماني
  • 2189
  • 0
الفيسبوك يجمع تلاميذ “العصر الذهبي” بأساتذتهم  

“قم للمعلم وفّه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا”.. مقولة للشاعر احمد شوقي، يحفظها كل تلميذ يحب أستاذه، ويراه قدوة في حياته، فاليوم رغم تعلق الطفل بالهواتف النقالة وصفحات “الفايسبوك”، وبمواقع التعليم الالكترونية، إلا أن رمزية المعلم الفعال في بناء الشخصية، وتقديم النصح إلى جانب تلقين الدروس، لا يزال يحافظ عليها الكثير من الأستاذة في المدرسة الجزائرية.

واستطاعت وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، أن تبقى العلاقة بأساتذة الثمانينات والتسعينات الذين كانوا يسكنون قلوب تلاميذهم، ويطبعون في عقولهم صورة المعلم المثالي الذي لا ينسى، فعندما يغني “الصادق الجمعاوي”، “شكرا أستاذي ولد بلادي، علمتني لغتي وتاريخ أجدادي”، تهتز مشاعر من كانوا تلاميذ في تلك الحقبة، وتتحرك الوجدان، وتسترجع الذكريات فيقفز إلى الذهن ذلك المعلم الذي ترك بصمته في الشخصية والسلوك!

مختصون: الأستاذ المثالي هو من يبقى في الذاكرة

ومعلمو الأمس الذين أحيلوا على التقاعد، هم أصدقاء اليوم عبر “الفايسبوك”، أو الهواتف، والتواصل الدائم بالزيارات واللقاءات، فقد أبقوا في ذاكرتهم تلاميذ كانوا مجتهدين ومميزين، ومحببين لديهم، واليوم هم إطارات، وشخصيات مرموقة.. إعلاميون، وأطباء، وطيارون، وأئمة، ومهندسون..

أساتذة متقاعدون في صداقة دائمة مع تلاميذ الماضي!

وتعتبر المعلمة نصيرة دميش، بقصر البخاري ولاية المدية، نموذجا للأساتذة الذين منحوا كل حياتهم لتعليم أجيال، وتربيتهم، فكانت ولا تزال غيورة على كل ما يتعلق بقطاع التربية.

وقد بدأت رحلة التعليم في ابتدائية 20 أوت بقصر البخاري، مطلع الثمانينات، فتفرغت للتعليم وفقط، ولم تستطع ورغم إحالتها على التقاعد منذ سنوات، أن تنسى تلاميذ كانوا مثال التربية والاجتهاد، وقدوة الآخرين في حب التعليم، والمدرسة، فحملت أسماءهم في ذاكرتها.

ومن خلال “الفايسبوك”، تمكّنت من معرفة المنصب أو الوظيفة التي يشغلها تلاميذها المجتهدون سنوات الثمانينات والتسعينيات، واسترجعت الذكريات بالتواصل معهم، فمنهم من يتواجد بالخارج ومنهم من يتقلد مناصب ومسؤوليات عليا في الجزائر.

وقد تمكنت من تكوين قسم رقمي، يضم هؤلاء التلاميذ الذين لطالما أبهروها في سنوات مضت بأسئلتهم وأجوبتهم، فالنصائح التي كانت تقدمها لا تزال تذكر بها، والأخلاق التي كانت تحث عليها استمرت في النصح بها.

وليست هذه المعلمة التي ذاع صيتها في مدينة قصر البخاري، وحدها الساعية لاستمرار علاقة جميلة مع تلاميذ الماضي، ففي ولاية ميلة شرق الجزائر، يتفانى الأستاذ عبد الكريم قبلة الذي كان يدرس في ثانوية رجاص وأحيل على التقاعد، في السؤال عما وصل إليه تلاميذه النجباء في سنوات الثمانينات والتسعينيات، ويسعد جدا عندما يعلم أن من بين هؤلاء مسؤولين وإطارات، وفي مناصب يستحقونها.

وتعلو وجه عبد الكريم، ابتسامة عريضة، عندما يلتقي بتلاميذ أصبحوا رجالا ونساء، يعتز بهم، وبما حققوه اليوم، وقد حافظ على علاقته مع بعضهم.

ولم ينس لخضر ريحاني أستاذ الطور الابتدائي منذ الثمانينات، بمدرسة 8 ماي 1945 ببراقي، هو الآخر تلاميذه القدامى الذين طبعوا أسماءهم في ذاكرته، كما تمكن هو أيضا من الاستحواذ على قلوبهم ومحبتهم له.

وللأستاذ المتقاعد، سبع العسلي، ذكريات جميله، مع تلاميذ هم اليوم مسؤولين، بينهم وزراء حاليين وسابقين، فقد كان يحب مادة الرياضيات التي يعلمها من كل قلبه في متوسطة أم حبيبة بباب الزوار، ويقدم دروسا خصوصية لأبناء المسؤولين الكبار.

وقد سارع إلى مقر إحدى الجرائد عندما قرأ مقالا لتلميذته السابقة منذ 20 سنة، فزارها ليعيد إليها ذكرى القسم أين تلفت انتباهه واهتمامه بأسئلتها المميزة وأجوبتها المبهرة كعنصر مجتهد.

وعبر هذا الأستاذ القدير لتلميذته، الصحفية، عن مدى سعادته، واعتزازه بها وهو يقرأ مقالاتها في الشأن الاقتصادي، خاصة انه ميال لهذا المجال بصفته أستاذ الرياضيات.

وقد تجمع الصدفة الأستاذ بتلميذه مع مرور الزمن، فيكون الأول في حاجة الثاني أو العكس، فتشكل ذكرى القسم وحيويته بلسما يطغى على اللحظة، وينسي كل المآسي والآلام، أو المشكلة التي كانت سبب لقائهما، وهذا ما وقع للسيدة حسيبة من درارية بالعاصمة، عندما خضعت لعملية جراحية بإحدى المستشفيات فاكتشفت أن الطبيب الجراح كان تلميذها المجتهد!

وهذه القصة تعتبر واحدة من بين أجمل المصادفات التي تجمع أستاذا بتلميذه أو تلميذته، بعد سنوات طويلة، ليتبين أن كل منهما يحمل صورة الآخر في وجدانه، لتستمر العلاقة بينهما فيما بعد.

الأستاذ والتلميذ.. شعور متبادل بأهمية الدور

وأكدت في سياق هذا الموضوع، الباحثة في علم الاجتماع، الدكتورة ثريا التيجاني، لـ”الشروق”، أن بقاء التلميذ أو الأستاذ في الذاكرة تتعلق بأهمية دور كل منهما، وتكون صورة الأستاذ المثالية نتيجة المهمة التي قام بها في المدرسة، في تكوين شخصية التلميذ وتنمية قدراته العقلية، موضحة أن المؤسسات التربوية تعتبر البيت الثاني للطفل والأستاذ قدوته الثانية بعد الأولياء.

وعندما تتحقق هذه الخصائص في الأستاذ، يستطيع أن يجلب عاطفة التلميذ وعقله، ويطبع صورة المثالية في شخصه، وعلى هذا الأساس نجد حسبها، أن أساتذة الثمانينات والتسعينات في ظل غياب وسائل التكنولوجيا الحديثة، ومنصات التواصل الاجتماعي، والدور الحقيقي الذي كان يقوم به هؤلاء الأساتذة، استطاعوا أن يكونوا تلاميذ لجيل مميز.

وتأسفت الدكتورة ثريا التيجاني، من تصرفات بعض الأساتذة اليوم، الذين يقع تلاميذ في تقليد أعمى لهم، في حين أنهم لا يمثلون قدوة حسنة، حيث يدخنون أو يتلفظون بكلمات غير لائقة، أو يمارسون العنف ضد عنصر ما فيحمل التلاميذ ذلك في سلوكهم وذكرياتهم.

وقالت التيجاني، إن للأستاذ قدرة على تكوين العقليات بأسلوبه وتصرفاته من خلال هيئته وتعامله مع التلاميذ، محذرة من الاهتمام فقط بالدور الأكاديمي المتمثل في تلقين الدروس، ونسيان الجانب النفسي والاجتماعي، خاصة في ظل التغيرات الحديثة وتعقيد نمط المعيشة، بانتشار التنمر في المدارس، والمخدرات، وهيمنة الرقمنة والعالم الافتراضي على حياة بعض التلاميذ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!