-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

القطيعة مع المحاصصة

عمار يزلي
  • 908
  • 2
القطيعة مع المحاصصة

عندما يصرح رئيس الجمهورية أن “زمن الكوطا.. كان في الجاهلية”، فهذا التصريح إنما هو دليلٌ على بداية القطيعة النهائية مع نظام المحاصصة التي فُرضت منذ بداية التعددية الحزبية، على نفس منوال المحاصصة الفرنسية في الجزائر الذي أقامته بعد الحرب العالمية الثانية عندما قبلت بممارسة الجزائريين لحقِّ الانتخاب والترشح، لكن فقط على أساس “قانون الأهالي”. هذا القانون سمح بتمثيل الأقلية من المعمِّرين بنسبة 10 أضعاف ممثلي الأغلبية من الشعب الذين أصبحوا مجرد أهال (أنديجان). بهذه الفلسفة، أرادت فرنسا ضبط ساعة التعددية عندنا على ساعتها الإيديولوجية: المحاصصة التي تعني أن تمنح لأحزاب الأقليات التي ترعاها، مقاعدَ في البرلمان دون أن يكون لها أي تمثيل شعبي يُذكر، إذا ما سُمح للشعب بأن ينتخب بكل شفافية ومن دون تزوير أو تغيير للنتائج داخل العلب السوداء.

اليوم نستطيع أن نجزم أن زمن التزوير الرسمي والممنهج ومحاباة أقليات إيديولوجية بمقاعد ونسبة من المشاركة السياسية، حتى من دون تمثيل شعبي، قد ولّى وانتهى إلى غير رجعة. وهذا ما يفسِّر مقاطعة الأقليات الأيديولوجية من اليسار إلى اليمين، المدعية للّيبرالية والعلمانية، كونها جربت سابقا حقيقة حجمها إذا ما تركنا الشعب يعبّر فعلا عن إرادته واختياره من دون توجيه أو تدخُّل أو تحويله العملية الانتخابية إلى مجرد تمثيلية، نتائجها محسومة سلفا.

لن نسطيع أن نقول إننا حصلنا على برلمان جديد بشكل مطلق وكلي، لأن هذا سيتطلب سنين من الممارسة والانسلاخ من عباءة النظام البائد السائد، لكن مجرد القضاء على التزوير الممنهج والقطيعة مع المحاصصة، وحده ضامنٌ للتغير نحو التجديد. أما عقلية النيابة، فهذا يتطلب وقتا، من المبكر أن نحكم عليه، إذ يكفي أن تشبيب البرلمان، هو دعوة لـ”القطيعة” مع الممارسات السابقة، لكن مع استمرارية الدولة، وهذا ما يجعلنا نستشف أن تركة فرنسا النيابية وأقلياتها الساحقة، قد أوشكت على الرحيل إلى غير رجعة، وأنه في مقدورنا اليوم، أن نتناسى دون أن ننسى، أن نقول ما قاله محمد العيد عن هذا النوع من النواب ومن الاحتلال:

فيا نائبا، ناب البلاد بحــــادث          فخلّف شعبا، قائما فيه قاعــــدا

على أي ظهر كان سوطُك منزّلا     وفي أي نحر كنت سيفُك غامدا

ولا ما قاله الشاعرُ التونسي الساخر حول ما سُمِّي بـ”المجلس الكبير” الذي أقامه المقيم العام الفرنسي سنة 1922 بتونس، معارضا فيها قصيدة أحمد شوقي “يا نائما رقدت جفونه”:

يا مجلسا رقدت جفونه     الشعب قد كثرت شجونه

ما كان هذا ظنـــــــه       وآه لمن خابت ظنونـــه

شعبٌ تعاظم فقـــــره       وقسى عليه من يعونـــه

إن لم تصنه من الشقا     يا مجلسا، من ذا يصونـه؟

هذه السياسة التخريبية التي عُزلت فيها فرنسا الاستعمارية في كل البلدان التي احتلتها: في تونس والمغرب والجزائر ولبنان وسوريا، عمدت إلى المحاصصة والتقسيم وكسر شوكة الوحدة، لتبقي على “أقليتنا الساحقة” تحكم باسمها ونيابة عنها “الأغلبية المطلقة المسحوقة”.

هذا الوصف الذي يلتقي مع وصف “صالح جودت” في نبذ التفرقة التي راجت ويكشف الغطاء عن هذه النزعة التجزيئية لأمة واحدة الأمة العربية الإسلامية:

اختلفنا مذاهبا فافترقنـــــــا         فطوانا المستعمر الضليل

وادعانا طوائف: ذاك عبــدٌ        بربري وذاك حرٌّ أصيـــل

ثم هذا درز وذاك فرعــــو        ن وهذا كردٌ وذاك دخيـل

ثم هذا بعثٌ وذاك حـــزبٌ         قرمزي اللون حين يميــل

ثم هذا مؤمرك نازح القلب         وهذا حبيبــه “جنبــــــول” (جان بول سارتر)

تم هذا مفينق أرضه الأم فر         نسا وربّه ديجـــــــــــــول.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • موسي سدراتي

    لم يتغير شيء انما تغيرت الكلمات والمصطلحات وعاد الافلان والارندي -المافيا الحزبية - وبقوة الي البرلمان العقيم الجاف والتافه . عودة الي المربع الاول

  • عزيز

    عندما يصرح رئيس الجمهورية أن “زمن الكوطا.. كان في الجاهلية”، فهذا التصريح إنما هو دليلٌ على بداية القطيعة النهائية مع نظام المحاصصة التي فُرضت منذ بداية التعددية الحزبية. بل هو اعتراف صريح من رئيس الجمهورية على التزوير الذي وقع سابقا بدون أي محاسبة للمزورين، أما الحديث عن القطيعة النهائية مع نظام المحاصصة فمازال الوقت مبكرا على هذا الكلام.