السبت 27 فيفري 2021 م, الموافق لـ 15 رجب 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق
أرشيف

تحظى مدينة القنطرة ببسكرة، باستقطاب واسع من طرف السياح والزوار من كل مكان، خاصة المتجهين نحو الولايات الصحراوية أو العائدين منها، حيث يجمع الكثير بأن مدينة القنطرة بمثابة بوابة الصحراء، وإحدى أيقونات واحات عاصمة الزيبان، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي في الشمال الغربي للأوراس، على الطريق الرابط بين بسكرة وباتنة، حيث تبعد عن مقر الولاية بسكرة بـ 52 كلم، وعن باتنة بـ 62 كلم، وهذا ناهيك عن تاريخها العميق الذي يمتد إلى عهد الرومان.

يجمع الكثير بأن مدينة القنطرة (CALCVS HERCULIS) تعد بوابة الصحراء بامتياز، كما أنها تحفة سياحية لم يتم استغلالها بالشكل اللازم، ويؤكد الدكتور جمال مسرحي في حديثه لـ”الشروق” بأن “القنطرة مدينة صغيرة تقع على الطريق الوطني الرابط بين باتنة وبسكرة، أخذت اسمها من الجسر الروماني الذي بناه اللفيف السوري (La légion Syrienne) في القرن الثاني الميلادي”، مضيفا بالقول “معروف أن الجنود السوريون جاء بهم الرومان في إطار الفرق المساعدة بالجيش الروماني (Les troupes auxiliaires dans l’armée romaine). استقدم الرومان الجنود السوريون عندما بلغ الاحتلال مشارف الصحراء جنوب الأوراس، لأن الجندي الروماني لم تكن له دراية بطبيعة الحرب في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية”.. وأوضح محدثنا بأن الرومان أطلقوا على هذه المدينة التي أنشأها اللفيف السوري اسم كالكيس ايركوليس (CALVS) HERCVLIS) أو (CALCEUM HERCVLIS انطلاقا من الأسطورة الإغريقية الرومانية التي تشير إلى أن البطل الأسطوري هرقل قام بشق المضيق بضربه من رجله ففتح مجرى الوادي (وادي بوبياد) الذي يمر عبر المضيق.

تاريخ عميق وموقع يبهر الزوار

تشتهر منطقة القنطرة كونها تقع على الممر (الفج) الجبلي الذي يخترقه وادي الحي، ما جعل الباحثين والمؤرخين يُسمونها بـ”فم الصحراء”، ويؤكد الأستاذ أسامة بقار (باحث في التاريخ) بأن القنطرة أخذت تسميتها من الجسر الذي بناه الرومان عند الفج كمعبر لوادي الحي، مضيفا بأنها تمتلك إرثا حضاريا معتبرا، حيث سكنها البربر في البدايات الأولى، وكانت ممرا حيويا للمنتجعين الذين كانوا ينتقلون صيفا نحو الهضاب العليا الأوراسية والقسنطينية، وفي الشتاء يعودون للصحراء، ما جعل القيادة العسكرية الرومانية حسب محدثنا توزع وحداتها العسكرية وحصونها لمراقبة تحركاتهم على مستوى الممر.

وقال الأستاذ أسامة بقار بأن القنطرة عُرفت في الفترة الرومانية بتسمية “كالكوس هركوليس”، أي “حذاء هرقل”، لكننا نتصوّر -يقول محدثنا- أنه بدأ منذ عهد الإمبراطور “تراجانوس”، لكن النقوش اللاتينية تؤرخ أول تواجد عسكري للفيلق الأوغسطي الثالث بالقنطرة في نواحي سنة 158م، وبعدها بسنوات تم جلب فصائل القواسين (رماة السهام) من سوريا للعسكرة بها، حيث عسكر فيها فصيلة الحمصيين (حمص)، وفصيلة التدمريين (تدمر)، وإن لم تطل الأولى البقاء فإن التدمريين أطالوا البقاء، وكان لهم حضور مكثف في القنطرة.

أغرم بها أندري جيد وغوتيه وبومبارد وحظيت بصور خالدة

يؤكد الأستاذ أسامة بقار (باحث في التاريخ القديم) لـ”الشروق” بأن “القنطرة” تمتلك تراثا حضاريا مهما، على غرار “الدشرة الظهراوية” التي سماها الفرنسيون بـ”القرية الحمراء”، والتي تضم بيوتا تقليدية من الطوب والخشب مزوّدة بسطحيات تجعل الناظر لها يحس أنه في القصبة، وفيها أيضا المركز الحضري الفرنسي الذي لا تزال بعض معالمه كمكتب البريد، وهناك منشآت عمرانية أخرى، حيث قام الأثري “غاستون دو فولبيار” بتكريس 25 سنة من حياته في دراسة تراث هذه المدينة، وإنشاء متحف سمي بـ”متحف صاقل الأحجار الكريمة” الذي يحتوي على البقايا الأثرية الرومانية ومعالم ميلية ولوحات تذكارية، إضافة إلى أعمدة ونقوش ومذابح وثنية، وتماثيل وإهداءات دينية، إضافة إلى نقوش قبرية ضاع منها الكثير بسبب السرقة والتخريب.

وحسب محدثنا فإن القنطرة كانت محل كتابات عديد الأدباء والشعراء، مثل أندريه جيد ويوجين فرومنتان، وتيوفيل غوتيه، ولويس برتران وآخرون، وفي السياق ذاته حظيت بلوحات فنية لعديد الرسامين المشهورين، مثل ابني المنطقة حسين هوارة وسليم بوهالي، كما رسمها “فرتز فون داردل” سنة 1886، وقام “بشير يلس” سنة 1975 برسمها لتظهر على عديد الطوابع البريدية، وكانت موضع رسم وإعجاب للرسام الفرنسي الاستشرافي “موريس بومبارد”، وغيرهم من الرسامين الذين خلفوا أعمال فنية تشهد وتكشف عن سحر وجمالية المنطقة وواحتها وعمرانها.

أنفاق وجسور وقصور وحصون من عهد الرومان

ويجمع عديد الباحثين بأن الرومان شيّدوا في القنطرة ثلاثة استحكامات عسكرية، والذي كان يعسكر به أفراد الفيلق، والثاني هو عبارة عن حصن شيّد في مكان يُسمى “قصر سيدي الحاج” أو “حمام سيدي الحاج” يبعد 6 كلم عن القنطرة، وحصن مراقبة ثالث بُني في مكان يسمى “خربة البرج” أو “لوث البرج”، والذي يبعد 8 كلم عن القنطرة، لكن أهم شيء بارز لا يزال قائما في “القنطرة” هو ذلك الجسر الذي بناه الرومان سنة 335م، وقامت السلطات الاستعمارية بترميمه سنة 1862 زمن نابليون الثالث، وهو قنطرة بقوس واحد قطره 10م.

كما خضعت المنطقة للاحتلال البيزنطي الذي لم يخلف معالم واضحة، ليصل إليها الفاتحون المسلمون في القرن السابع ميلادي، وهم من قاموا بتسميتها بالقنطرة، ليدخلها العنصر الهلالي في القرن الحادي عشر، ومن المرجح أن العثمانيين وصلوا إليها لجباية الضرائب. وخلال الفترة الاستعمارية تم ترميم الجسر الروماني، وأنشئ نفق بطول 40 مترا في إطار مشروع السكة الحديدية الرابط بين الشمال والصحراء، وحوّلوها لمقر بلدية سنة 1946م.

ولم يتوان سكان منطقة القنطرة وعديد الجمعيات والجهات إلى الدعوة بضرورة الاهتمام بالإرث التاريخي والحضاري للمنطقة، بغية استثمارها بالشكل الذي يجعلها قطبا سياحيا بامتياز، خاصة وأنها تستقطب سنويا عددا كبيرا من السياح والزوار الذين يشيدون بتاريخ وجمال المنطقة التي تجمع بين موروثها التاريخي المتنوّع، وجمعها بين الإطلالة على الواحات الصحراوية وتميزها بنسمات التل البهية.

السياحة بسكرة مدينة القنطرة

مقالات ذات صلة

600

1 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • جمال جمال

    و هناك قرية رومانية مدفونة في منطقة السخون مدفونة على حد علمي لم تتطرقو الى ذكرها

close
close