-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
صيحة الشروق

اللباس الجزائري: الأصيل والدخيل

عمار يزلي
  • 389
  • 1
اللباس الجزائري: الأصيل والدخيل

شكل اللباس دوما السمة الأكثر بروزا ضمن بنيات وأشكال الانتماء الهوياتي لدى الفرد والجماعات. ذلك أن اللباس لم يعد بعد تطوره وتغير أشكاله وتبدل أنماطه وصناعه، مجرد غطاء لستر الجيم والوقاية من بأس الطبيعة والناس، بل صار يتعداه لكي يصبح عنوانا للهوية، والشكل الخارج للتميز الهوياتي للأفراد وللمجموعات السكانية، تعبيرا لهم عن انتماءاتهم الحضارية، الدينية والجغرافية.

اللباس الجزائري لم يخرج عن هذه القاعدة. وهذا ما لاحظناه عبر اطلاعنا على مجمل أعداد “المجلة الإفريقية”، بحثا عن تاريخية اللباس الجزائري. فلقد لاحظنا تشكل اللباس الجزائري خلال الحقبة الاستعمارية، وما قبل الاحتلال، أي فترة حكم الدايات، عنوانا للانتماء إلى هوية مغاربية عربية إسلامية بربرية، مع وجود أشكال تعبير عن الانتماء لأقليات دينية عرقية مذهبية. هذا العنوان الهوياتي، سيتضح جليا من خلال تقسيمات فرعية بدت محافظة على أصالتها لمدة طويلة من الزمن، على الأقل إلى غاية نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم المرحلة التي تليها، وهي المرحلة الأكثر تأثيرا في نمط اللباس بعد موجات العمال المغتربين الذين رحلوا بالآلاف إلى فرنسا خاصة، للمشاركة في بناء فرنسا المحطمة. وهي مدة غير قصيرة قياسا بمدة الاحتلال التي دامت إلى غاية نهاية الحرب العالمية الثانية أكثر من قرن، مما يؤكد جليا أن محاولة الإدماج وإذابة المجتمع الجزائري بخصائصه الثقافية والهوياتية في بوتقة المجتمع الغربي الفرنسي بالأساس، لم تبدأ فعليا إلا مع بداية الاستيطان بالأعداد الكبيرة للمستوطنين الغربيين الذين جاؤوا من كل أصقاع أوروبا إلى الجزائر طمعا في الأرض واستثمارات شبه مجانية ودخول الرأسمالية النقدية في كل المجالات بما فيها الزراعة. التي كانت تعتمد قبل ذلك أساسا على المقايضة. بالمقابل، ستدخل الجزائر غمار حربين عالميتين عن طريق التجنيد الإجباري والطوعي!

هكذا، سيعرف الرجال أول لباس غير تقلدي: اللباس العسكري الأوروبي، ومنه سيكون الاحتكاك مع العالم الخارجي وبداية التأثر عند العودة من الحرب. كما أن قيام مؤسسات اقتصادية وحرف رأسمالية بالجزائر والمغرب وتونس، ساهم في تحول نمط اللباس عند الذكور ولكن أيضا عند النساء. إلا أن هذا سيأخذ وقتا، إلى ما بعد الأربعينات والخمسينات عندما تدخل المرأة المدرسة الفرنسية وسوق العمل، رغم ضعف نسبة التعليم لدى الأهالي.

كما أنه وفيما بعد الحرب العالمية الثانية، وبسبب عدم القدرة على شراء اللباس التقليدي بسببه غلائه وقلته، كان الرجل يتجه مباشرة لشراء الملابس الأوروبية القديمة من السوق السوداء أو سوق الألبسة المستعملة ( marché aux puces). اللباس المحلي كان يتطلب الكثير من القماش، ومع اندثار وقلة الصناعة النسيجية تدريجيا، صارت هناك ندرة في القماش وأصبح ثمنه باهظا.

فقد كان يحصل ألنه إذا قام الرجل بشراء القماش وذهب عند خياط القرية، عرفت الحكومة الفرنسية بذلك لأن الموزع الوحيد للقماش وقتئذ كانت فرنسا، لأن في قانون الفرنسي هناك ممول من المقاطعة يمر سنويا لمراجعة ربط بعض الضرائب وتوزيعها على المكلفين والتحقيق في بعض المنازعات. فالفلاح يتهرب هو الآخر من دفع من الضرائب، فلا يقدر على شراء أقمشة كبيرة وكل سنة يعلن رأس مال منخفض ولهذا يلجأ في نهاية المطاف إلى الألبسة الأوروبية.

هكذا، تسارع التغير وتغلب الدخيل على الأصيل في ظرف وجيز (1945ـ 1962) قياسا بالتغير البطيء الذي حصل ما بين 1830ـ 1945 في مجال اللباس بالأساس.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • ب. محمد

    اللباس يتغير بتغير موجات (الحضارة) ولا يحده حدود مثله كمثل اللغة والمعتقد و.... ما يسمّى بالحضارة والتي هي دائرة مغلقة (من الفنقيين إلى اليونان , فالرومان , فالإسلام , فالغرب الآن)...عبر الزّمن يتزعم فيها الغالب ويقلده فيها المغلوب. هناك نسبة ممن لا يجرفهم الإتباع ويبقون متمسكين بهويتهم وعلى الأغلب الهوية الدينية (وهم قلّة)