-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اللغة الانكليزية في المدرسة الابتدائية

محمد بوخطة
  • 2734
  • 0
اللغة الانكليزية في المدرسة الابتدائية

أحال مجلس الوزراء الأخير تقديم تدريس اللغة الإنكليزية على الدراسة المعمقة من قبل المختصين دون أن يحدد لذلك مجالاً موضوعياً ولا زمنياً، موضوع نتناوله من زوايا قد تكون مختلفة:

إن إحالة الموضوع إلى “الدراسة المعمَّقة” دون رسم معالم هذه الدراسة وتحديد مجالها قد ينتهي إلى التعذر، فهو بهذه الطريقة سيفسح المجال أمام المؤدلجين فرونكفونياً ـالمتمكنين طبعاًـ والذين يحترفون التعقيد وبناء العقبات لينتهي الموضوع إلى عدم الجدوى، كما أن عدم تحديد المجال الزمني سيكون فرصة أخرى للتماطل المبرَّر ودفن القصة من أساسها.

1 ـ إن الموضوع من حيث تناوله يعبر عن حسن نية تجاه اللغة الإنكليزية ينسجم تماماً مع المطالبة الاجتماعية به والحاصلة منذ زمن لاعتبارات علمية أولاً؛ فاللغة الإنكليزية لغة العلم حالياً بلا منازع، وثانياً عاطفية مرتبطة بالعداوة التاريخية للغة الفرنسية كونها لغة المستدمر التي حلت عنوة محل اللغة الوطنية لتتحول ـفعلياًـ إلى اللغة الأولى خاصة عند المتحدثين باسم الدولة ومؤسساتها.

2 ـ إن إحالة الموضوع إلى “الدراسة المعمَّقة” دون رسم معالم هذه الدراسة وتحديد مجالها قد ينتهي إلى التعذر، فهو بهذه الطريقة سيفسح المجال أمام المؤدلجين فرونكفونياً ـالمتمكنين طبعاًـ والذين يحترفون التعقيد وبناء العقبات لينتهي الموضوع إلى عدم الجدوى.

كما أن عدم تحديد المجال الزمني سيكون فرصة أخرى للتماطل المبرَّر ودفن القصة من أساسها.

تمنيتُ لو أن هذه “الدراسة المعمَّقة” سبقت هذا الإعلان فيكون الإعلانُ في حد ذاته من أجل بناء الخطة التقنية للتنفيذ انسجاماً مع الإرادة العليا المبنية على تلك الدراسة، ما يجعل الموضوع الآن مجرد تغذية للتعاطي الإعلامي تربوياً وفكرياً وعاطفياً..

أسئلة جديرة بالإجابة:

ـ هل هناك نظامٌ تربوي يُحمّل التلميذ في المدرسة الابتدائية عبء تعلّم ثلاث لغات في آن واحد؟

ـ هل سيكون هذا الاعتماد عبئاً زمنياً جديداً على التلميذ، أم سيكون مقتطعاً من المخصص الزمني للغةٍ أخرى أو لمادةٍ أخرى؟ … للقارئ أن يتصور ما سيثور من جدل هاهنا…

ـ ثم ما موقع اللغة الإنكليزية في منظومة التعليم العالي؟

هل ستظل المدرسة عبئاً على التلميذ وعلى المجتمع؟

أعتقد أن أخطر ما يعاني منه نظامنا التربوي الآن كونه أصبح يشكل عبئاً ثقيلاً ضاغطاً على التلميذ أوَّلاً وعلى الأسرة ثانياً وعلى المجتمع كله أخيراً.

إن النظام التربوي الذي يفرض على البيت أو يفترض فيه أن يتحول إلى مدرسة مسائية، ويفرض على الوالدين والأولياء أو يفترض فيهم أن يتحولوا إلى أساتذة ومعلمين فوق العادة.. إن نظاماً بهذه المواصفات سيكون مصدراً للضغط النفسي والقلق الاجتماعي، نظام بهذا الشكل جدير أن نسميه نظاماً “عقابياً” لا تربوياً.. هذا بيت القصيد.

ما لم تتحول المدرسة إلى فضاء محبَّب للتلميذ أولا، والنظام التربوي إلى نظام متصالح مع المجتمع منسجم مع طموحاته وتطلعاته حائزاً رضاه فلن نستفيد كثيراً مهما توهمنا أننا مبدعون.

هناك ستّ نقاط جديرة بالنظر العميق والمراجعة الهادئة في أي إصلاح تربوي نريده جاداً ومنتجاً:

الأولى: كثرة المواد التعليمية وكثافة المناهج التربوية:

حين ينصرف النظام التربوي إلى التفاعل مع حافظة التلميذ أكثر من فكره، فيركز على الكمّ العلمي ويعمد إلى حشو عقول التلاميذ حشواً مركزاً، هل يعني ذلك أنه سيجعل منهم علماء؟ قطعاً لا. سيرهقهم بالحفظ والتخزين ليس إلا.

لقد أثيرت هذه القضية منذ سنة 2003 وإلى حد الآن لم تخضع لمراجعة منهجية هادفة.

يجب أن تحدَّد الأهداف التربوية لكل مرحلة تعليمية أولاً لتتحدد من خلالها مواد التدريس، ثم لتتحدد من خلال تلك المواد مناهجُ تدريسها بعيداً عن التسييس الظرفي والحشو الكمي.

إن التفاعل مع عقل المتعلم وفكره بتحريره وتمكينه من مفاتيح التحصيل الذاتي أولى من حشوه بما يحتاج وما لا يحتاج.

هناك كثيرٌ من المواد محتوياتها يمكن أن تُتناوَل عرضياً في مواد أخرى دون حاجة إلى تصنيفها..

موضوعُ مشكلٍ جدير بالبحث والتمحيص من قبل المختصين.

ثانياً: كثافة الزمن المدرسي:

وهو نتيجة حتمية للحشو في المناهج والمواد، إذ لا يتسع لها الزمن فنضطر إلى تكثيفه، حارمين بذلك التلميذ من كثير من الممارسات الحياتية التي لا غنى له عنها، وندخله في عزلة مفروضة عن الحياة الطبيعية ـفضلاً عن الإرهاق وقلة التركيزـ أو ينتهي إلى رفض المدرسة والنفور منها نهائياً.

ثالثا: التعقيدات الاصطلاحية ولغة الجن:

  أو هكذا أسميها؛ فكثير مما أسميناه “إصلاحاً” هو مجرد استيراد لتعقيدات اصطلاحية غير أصيلة في لغتنا التربوية، وعند تفكيكها تجد أننا نملك التعبير عنها بيُسر وبساطة.. فعندما تفكر بلغة وتتحدث بلغة أخرى ستتوهّم أن ترجمة العبارة هي ذاتها ترجمة الفكرة ويختلط عليك الأمر.

عندما نحوّل طرائق التدريس في حد ذاتها إلى لغة معقدة غريبة تحتاج إلى جهد خاص لتفكيك شفرتها، لتنتهي في الأخير إلى أن القصد والمعنى غير مختلف عما ألِفت غير أنك قصدت إليه من طريق أطول وأعقد متوهماً الإبداع ليس إلا.

إن هذا التعقيد أحدث فجوة ونفوراً ليس عند التلاميذ فحسب بل عند المدرِّسين أيضاً.

رابعاً: طرائق التقييم ثم التقويم:

إن كثرة الامتحانات والاختبارات وما يرتبط بها من تهويل ونفخ ينعكس توتراً وإرباكاً على نفسية التلاميذ وما يولّده من خوف واضطراب محبِط ومخيف.

ذلك أمرٌ ضروري ولكن الاقتصاد فيه وإبعاده عن الهالة الاجتماعية والإعلامية يحتاج إلى جهد قاصد وعميق.

خامساً: كثافة العمل المنزلي والإرهاق الأسري:

إن الاعتماد في تصحيح الخلل في الزمن المدرسي وكثافة المناهج على إرهاق التلميذ بالواجبات المنزلية وإرغام والديه على ممارسة دور المعلم المحترف رغماً عنه أو اضطراره إلى اللجوء إلى الدروس الخصوصية هروبٌ إلى الأمام وتجذير للخلل الحاصل سينتهي إلى استحداث قطيعة نفسية ورفض للنظام التربوي قد ينتهي إلى قطيعة فعلية.

لا يمكن بحال أن يكون البيتُ مدرسة ثانية، ولا يمكن أن يستغرق النظامُ التربوي حياة التلميذ كلها.

سادساً: لابد من ثورة في التكوين المتخصص وإعداد المدرِّسين:

وإلى حد الآن لا يحظى التكوين المتخصص بما يقتضيه من عناية من حيث الانتقاء والتكوين والتدريب..

إن أي معالجة لموضوع التكوين المتخصص وإعداد المدرِّسين يجب أن تجري بعيداً عن التجاذبات النقابية الحاصلة بسبب المطالبات الاجتماعية الوظيفية، لأن ذلك سيحيلنا إلى بحث توافقات تلفيقية خارجة عن سياق حاجيات التكوين المتخصص.

لا أقصد من ذلك إهمال المطالبات الاجتماعية الوظيفية أبداً، بل يجب التفاعل معها من أجل عناية مادية أفضل بالموظف وتحسين شروط الأداء، ولكن بعيداً عن التأثير على الحاجة المرتبطة بالتكوين وإعداد المعلمين.

هذه نقاط وددتُ إثارتها دون الخوض في وجهات نظر تفصيلية بخصوصها، يجب الخوض فيها بواقعية من دون غلوّ أو تطرُّف.

وأختم بحديث مقتضب حول ظاهرة ثقل المحفظة المدرسية والتي يتجدد الحديث عنها كل مرة دون مباشرة عملية لمعالجتها، ولعل ذلك ما لمسه مجلس الوزراء حين وجه إلى “اعتمادها مباشرة”

إن كل المحاولات السابقة في هذا الموضوع انتهت إلى أمرين ليس من الصعب تطبيقهما:

الأول: تفكيك الكتاب المدرسي إلى جزأين أو ثلاثة أجزاء (أو حسب الفصول) وهي عملية تقنية ممكنة.

الثاني: عدم إلزام المدرِّسينَ تلاميذهم باستعمال كراريس من حجم كبير (فوق الـ100 صفحة مثلاً).

حسب علمي أن هذه الدراسة تمت منذ زمن ـفي وزارة التربية الوطنيةـ مفصلة وبالوزن الدقيق وانتهت إلى أن المحفظة يمكن أن تخفف إلى أقل من نصف وزنها الحالي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!