-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الماء الذي أغرقنا

الماء الذي أغرقنا

ما حدث للمسؤولين في قضية الماء الذي فاجأهم بنقصانه، فاتهموا السماء التي لم تُمطر، وسارعوا إلى الحل السهل وهو قطع الماء عن الحنفيات لساعات وأيام، يذكِّرنا بقصَّة بليغة كان يقرأها تلاميذُ الابتدائي في الزمن الذهبي التي تروي رحلة النملة الكادحة التي تعمل لأيام الشدة، والصرصور الذي يرقص طوال الزمن ليدفع الثمن جوعا وعطشا في الوقت العصيب، وواضح بأن السلطات كانت مثل الصرصور لم تكتشف جفاف السدود ونقص التهاطل إلا في أواخر شهر جوان، فبادرت نحو حلول ترقيعية لا تُسمن ولا تُغني من عطش.

وعندما يقول وزيرُ الموارد المائية إن سبب اندلاع أزمة ماء الشرب في العاصمة وفي غيرها من الولايات يعود إلى شحّ السماء، مقدِّما تشخيصا بسيطا لأزمةٍ خانقة، فإنّ من حق المواطن البسيط أن يتساءل عن دور الآلاف من المهندسين والعمال والمسؤولين المتواجدين في مختلف مديريات المياه وفي الوزارة، إذا كانوا ينتظرون فقط ما تجود به السماء من غيث حتى تمتلئ السدود ويسبح الجزائري في المياه؟

إلى حدِّ الآن لم نفهم لماذا يسابق المسؤولون الزمن من أجل حلِّ مشكلة المياه في عاصمة البلاد على وجه الخصوص؟ فوزارة الماء تشرف على العشرات من السدود، ومن المفترض أنها تعرف مخزونها من مياه الأمطار وتستشرف بسهولة حال التزوُّد في كلِّ الفصول وليس في الصيف فقط، وكان من اللائق أن يتقشف الناس في بقية الفصول، ولا يُحرَمون من الماء في الصيف خاصة أن وزارة الشؤون الدينية تطلب منهم الوضوء في البيوت قبل التوجُّه إلى صلاة الجماعة في المساجد، وزارة الصحة تطالبهم بالغسل باستمرار بالماء والصابون لتفادي وباء كورونا، ووزارة الفلاحة والتجارة توصيهم بغسل ما يقتنوه من فاكهة وخضر لتجنب التسمُّمات التي فعلت في بداية هذا الصيف الأفاعيل بصحة المواطنين، ووزارة البيئة تصرُّ على تنظيف الشوارع وسقي الأشجار لمنع التصحُّر الذي خنق البلاد في مدنها الشمالية وجعل العديد من ولايات الوطن الأكثر حرارة على وجه الأرض.

الإجراءات الأخيرة والتي جاءت بعد أزمة زعموا بكونها مُفاجِئة، تبيّن بأن الحلم بالجزائر الجديدة يحتاج إلى الكثير من التضحيات، فالذي يتّهم السماء بعد أن عطش الناس، لا يمكنه أن يتفاخر بنفسه لو تهاطلت الأمطار وامتلأت السدود، بل عليه أن يترك عمله، ما دام الماء يأتي من دون جهد يبذله هذا الجيش من العمال في قطاع المياه، وعلى الدولة أن تنتقل إلى أسلوب عمل جديد تماشيا مع التغيُّرات المناخية، تماما كما فعلت دول جنوب القارة الأوروبية التي غيَّرت من فلاحتها ومن تعاملها مع ثروة الماء التي غرقنا فيها منذ بداية فصل الصيف.

لقد كان الماء دائما مصدرا لقوة الشعوب، بل إن غالبية حروب الزمن السابق والحاضر اندلعت بسبب الصراع الأزلي على الماء، وما حدث من أزمة ماء يبيِّن أننا أهملنا أهم قطاع يرتبط بالحياة وبالكرامة والعزة مباشرة، ألم يقل تعالى في سورة الأنبياء: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • خالد

    61 سنة استقلال ما زالنا نتكورو من أجل توفير أساسيات الحياة ( الماء، الكهرباء، الغاز، العمل، السكن، الطريق، المدرسة، المستوصف،...)!! أليس البلد بأكمله منطقة ظل!؟

  • Said

    ماذا كانت تعمل الحكومات المتعاقبة

  • لزهر

    أنتم من تدّعون الإدارة في هذا القطاع من أين سيأتيكم حليب الأطفال و اللحم الذي تفتون في سعره كل يوم إذ لم تقُوموا بِسقي الحيوان أولاً قبل الإنسان.