-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المتوحشون لن يهزموا الجزائر

المتوحشون لن يهزموا الجزائر

مرة أخرى ينتصر الجزائريون بوعيهم وحسهم الوطني على الفتنة العمياء التي أرادها الحاقدون فتيلا لحرق الوطن بعد ما ألهبوا أشجاره الخضراء فأحالوها رمادا تذروه الرياح، وخططوا للفوضى الهالكة بجريمة شنعاء تقشعر لها الأبدان وتشيب من هوْلها الولدان، في مشهد مأساوي فوق الصدمة، يستحضر في طريقته المتوحشة أبشع جرائم التتار والمغول وممارسات الاستعمار والدواعش وكل جماعات السفح والتقتيل عبر التاريخ والجغرافيا.

مع ذلك، فقد وطّن الجزائريون أنفسهم أمام الفاجعة الإنسانية والخسائر المادية على السواء، مُحتسبين مصيبتهم عربون وفاء لأرواح شهداء سقطوا بالملايين في ساحات الشرف من أجل جزائر واحدة موحدة من التاء إلى التاء، ولإجهاض مخطط فرنسا الخبيثة لتقسيم البلاد، عبر عدّة ألغام لا تزال تنفجر الواحد تلو الآخر في صور عرقية ولغوية وهوياتية مختلفة.

تستحقّ عائلة الفقيد المغدور به جمال بن إسماعيل كل التضامن والثناء على موقفها النبيل في وضع لم يكن من السهل على أي إنسان، مهما بلغ تجلّدُه وإيمانه، مقاومة الانهيار النفسي أمامه، لكنّ الأسرة الطيبة تمالكت أعصابها وكتمت غيظها وأمسكت لسانها درءا للفتنة، كأنها قدَّمت فلذة كبدها قربانًا للوحدة الوطنية من الاهتزاز تحت هيجان روح الثأر والانتقام، والتي دفعت أبواق البغض والجهل إلى تأجيجها، لكنها لم تفلح في التفريق بين الجزائريين برغم الآلام والوجع.

كما يستحق العقلاء المخلصون من كل أبناء الوطن، من مشايخ ومثقفين وأعيان منطقة القبائل، الإشادة بمسعاهم المبارك في وأد الفتنة وتطويق نيران المؤامرة والتهدئة من روْع النفوس الهائجة والقلوب المكلومة، وليس ذلك بغريبٍ على شعب أصيل توحّد في كل المحن صفّا واحدًا حتّى تمرّ العواصف بسلام.

وكل التقدير لروّاد التضامن الشعبي الإنساني الذين هبّوا من كل فجّ عميق عبر ربوع الجزائر الشاسعة، يقطرون شاحنات الإغاثة إلى أهلنا المحاصَرين وسط النيران والرماد في أعالي الجبال، وإلى ضحايا الحرائق بمختلف المناطق، وعلى رأسها جرجرة الجهاد والقرآن والمساجد والزوايا والأولياء الصالحين، ليرسموا لوحة خالدة عن تماسك الجزائريين في السرّاء والضرّاء، بعيدا عن سراب الحروب الدونكيشوتية الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي بنفخ من دوائر الفرقة والأحقاد.

ولا يفوتنا كذلك التأكيد على أنّ الحادثة الوحشية لا تصلح أبدا معيارا للحكم على أي منطقة، ولا نقبل بها تبريرًا للنيل من جزائريين تألموا لها مثل غيرهم.

لكن ماذا بعد كل هذه التضحيات من أجل صون حياض الجزائر؟ وإلى متى يمكن أن يصبر الشعبُ الجزائري على عدوان الفئة الباغية على الوطن؟ وهل يستمرُّ خطاب العقل والطمْأنة على مصير الوحدة الوطنية في الصمود إلى الأبد أمام همجية الخارجين عن القانون؟

إنه قطعًا سيكون من السذاجة والخداع الاطمئنان إلى مستقبل هذه البلاد، بينما يعيث متوحشون فيها فسادا بانتهاك القانون، دون أدنى مراعاة لسلطة الدولة العامّة، حيث يمارسون سلوكيّا الانفصالَ عن الوطن، بالمروق عن كل أجهزته ومؤسساته وقوانينه، غير مكترثين بالعقاب القضائي، أو ربّما واثقين من عدم توقيعه عليهم.

لقد كشفت واقعة الأربعاء ناث إراثن مسألتين في غاية الخطورة، تتعلّق الأولى بالعمق الرهيب الذي بلغته روحُ الكراهية العرقيّة لدى فئة من الجزائريين تجاه آخرين من بني وطنهم، وهو مؤشرٌ مخيف على كيان المجتمع من شبح المأزق الطائفي، ويمكن لأيّ متابع لمَشاهد الجريمة المروِّعة أن يتساءل مع نفسه: هل كانت ستحصل لو كان الضحية من السكان المحليّين الأصلاء، مهما بلغت درجة الاشتباه فيه؟

إنّ رمزية هذا الفعل الوحشي في بُعده العرقي تستدعي التأمل مليّا والتفكير في كل الطرق لرأب الصدع قبل فوات الأوان، لأن معظم الطائفية من مستصغر الكراهيّة.

لسنا هنا بصدد نكْأ الجرح الغائر، لكن دسّ الرأس في رمل الجبن أو التجاهل لن يجعلنا في مأمن من أهداف الكراهية القاتلة، بل إنه سيعجّل بتحقيقها وبتكلفة أكبر، لذا فإنّ الأوْلى هو مواجهة الحقيقة عارية كما تظهر في الواقع دون مساحيق ولا تعمية على عيوبها القبيحة.

أما الوجه الثاني لخطورة الحادثة الخياليّة، فهي أن هؤلاء المتوحشين تصرّفوا بدافع باطني يجعل منهم أفرادًا فوق السلطة والقانون والدولة، لا يخضعون للعدالة ولا حتّى للأعراف الأخلاقية الإنسانية المتعارف عليها.

لو لم يكن العقلُ الباطن لكلّ المساهمين في الجريمة، من خاطفين وقاتلين وحارقين ومنكّلين ومصوّرين ومتفرجّين، يوحي لهم بأنهم في غابة بدائية من عصر ما قبل الدولة، لما تجرأوا على تنفيذها بدم بارد وبكل تلك الوحشية والحقد والسفور.

إنها بالمناسبة ليست الواقعة الأولى، وقد لا تكون الأخيرة، ولكنها فعلا غير مسبوقة، التي يدوس فيها أمثالُ هؤلاء على الدولة بكل سلطاتها ورمزياتها، بعدما جعلوا منطقة برمّتها أسيرة لعنجهيتهم الساديّة وغلّهم الدفين، وهذا هو مكمن الخطر المحدَق بالجزائر اليوم دون مواربة ولا هُروبًا من الحقيقة.

لقد أحسن الرئيس عبد المجيد تبون صُنعا بتحمل المسؤولية السياسية وتجريم حركة “الماك” المتصَهْينة، ولكن اجتثاث هذه النبتة الخبيثة من الفضاء العامّ لا يزال مشواره طويلاً وشاقّا، ولعلّ المرتقب العاجل هو جعل كل الفاعلين من بعيد أو من قريب في جريمة جمال بن إسماعيل عبرةً للآخرين على قوة الدولة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!