-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المجرمون الخمسة

المجرمون الخمسة

لو جئنا بأحدث حاسوب لإحصاء جرائم فرنسا ومجرميها منذ تدنيسها أرض الجزائر في سنة 1830 إلى يوم طردها الظاهري منها في 1962 لعجز هذا الحاسوبُ عن إحصاء هذه الجرائم وهؤلاء المجرمين؛ ذلك لأن الإجرام يطرأ – في العادة – على أناس بعد أن يصيروا بالغين، ولكن الفرنسيين الذين مروا على الجزائر، واحتكوا بالجزائريين في الجزائر وفي فرنسا وغيرها، أو عالجوا شأنا من شؤون الجزائر، هؤلاء الفرنسيون هم ممن يسميهم رجال القانون “مجرم بالفطرة”، أي ما خُلقوا إلا ليُجرموا، ولو أرادوا أن يكفوا أيديهم وأرجلَهم وعقولَهم عن الإجرام لما استطاعوا وكأنَّهم حرموا على أنفسهم أن يفعلوا خيرا ولو كان بسيطا، حتى أن أحد الجزائريين قال لأحد اللصوص الذين يسمّون “الكولون” كان يستخدمه في المزرعة التي اغتصبها أجدادُه، ويسيء معاملته: “يامسيو حبّيت نتورَز بغل” حتى تعاملني كما تعامل بغالَك.. ولكن قلب ذلك “الكولون” كان أشد قسوة من الحجارة، وإنّ منها لما يتفجّر منه الأنهار، وإنّ منها لما يشّـقّق.. وصدق من قال: إن الله – عز وجل – خلق الإنس والجن والملائكة والحيوانات، والجمادات، وخلق الفرنسيين الخارجين عن جميع المخلوقات…

في جهادنا الأخير ضد فرنسا الصليبية (1954– 1962) خمسة مسؤولين عُرفوا باسم “الزعماء الخمسة” وهم أربعة اختُطفوا في الجوّ، حيث كانوا متجهين في طائرة مغربية من المغرب إلى تونس، وهم محمد خيضر، ومحمد بوضياف، وحسين آيت أحمد، وأحمد ابن بلة، ثم ألحِق بهم رابح بيطاط الذي قُبض عليه في الجزائر… وقضى هؤلاء الخمسة بضع سنين في سجون فرنسا، وما دخلوا السجن إلا أنهم أرادوا أن يكونوا أناسا كالناس، لأن الله – عز وجل – كرّم بني آدم، ولكن فرنسا المجرمة أهانت الكرامة الإنسانية، وكذبت على العالم بأنها “أم الحرية” ومبدعة “حقوق الإنسان” حتى صدَّقها السذج والمغفلون ومنهم أحمد شوقي القائل في فرنسا:

دم الثوار تعرفه فرنسا    وتعلم أنه نورٌ وحقُّ

وحُرِّرت الشعوبُ على قناها     فكيف على قناها تُسترقُّ؟

مرّ أمس 17 أكتوبر ستون سنة على إحدى جرائم فرنسا، هذه الجريمة لم تُرتكب بعيدا عن أعين الناس كما يفعل المجرمون العاديون، ولكنها ارتكبت في “أم قرى فرنسا”، باريس – الموطن الأصلي لإبليس – وقد ارتُكبت ضدّ أناس عزّل، لم يقترفوا أي ذنب ولو قطف وردة من ورود باريس، ولكن فرنسا لا تصبر على الإجرام ولو ساعة من نهار. هؤلاء الجزائريون العُزَّل خرجوا في مظاهرة سلمية يعلنون للفرنسيين إننا بشر، ولا مطلب لنا إلا أن نكون أحرارا في وطننا، ولكن حكام فرنسا لهم أعينٌ لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها، ولهم قلوبٌ أشد قسوة من الحجارة، ولهم “عقولٌ” لا يفهمون بها، ولهم “ضمائر” لم تستيقظ من “عهد عاد”.

مكر الفرنسيون مكرا، وإن كان مكرُهم لِتَزول منه الجبال، ودبّروا جريمة بنهار ونفّذوها بليل، فألقوا بعشرات الأبرياء الجزائريين في نهر السين مكتوفي الأيدي والأرجل.. والذين تولّوا كِبْرَ هذه الجريمة خمسةُ مجرمين هم المجرم النقيب مونتاني والمجرم محافظ الشرطة بابون، والمجرم وزير الداخلية روجي فيري، والمجرم رئيس الحكومة ميشال دوبرى، والمجرم الأكبر دوغول، وليست هذه جريمتهم الوحيدة أو الفريدة. عندنا قاعدة تقول: الجريمة عشرة أعشار، عُشُرٌ يبوء بإثمه منفذُ الجريمة، وتسعة أعشار يبوء بإثمها الآمرُ بها. رحم الله شهداء مظاهرة 17 أكتوبر 1961، وجعلهم في مقعد الصدق. ولن ننخدع لوقفة ماكرون “الباردة” و”الصّامْطة” في مكان الجريمة على ضفة نهر السين “المجرم” هو أيضا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!