-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المدرسة الجزائرية ورهان التأصيل

عمار يزلي
  • 1016
  • 6
المدرسة الجزائرية ورهان التأصيل

مدرستنا الوطنية، التي يراد لها اليوم أن تخرج من دائرة التأثير الفرنسي والتوجيه الإيديولوجي، والانخراط في وظيفتها التعليمية العلمية المحضة، لن يكون سهلا عليها تحقيق ذلك، بالنظر إلى ماضي هذا التأثير الموروث منذ أولى سنوات الاحتلال، عندما جيء بالمدرسة الاستعمارية كسلاح ثالث بعد العسكرة والتخريب الاجتماعي، ثم التدنيس الديني واللغوي.

محاولات فرنسا بقيت متواصلة حتى بعد الاستقلال وإلى ما قبل الإطاحة بعصبة فرنسا، حتى ما قبل بن غبريط. الجهاز المدرسي الفرنسي، الذي ورثنا عنه مدرستنا “الوطنية”، لم يكن بإمكانه أن يُبنى من دون لجوء فرنسا الاستعمارية، قبل ذلك، إلى عملية تكسير وإتلاف للمدرسة التقليدية الممثلة في المسجد أو الزاوية، وذلك باستعمال كل الطرق بما في ذلك محاولات الاستمالة وشراء الذمم والاحتواء.

التدنيس هو أول عمل بعد التخريب أقدمت عليه فرنسا في تأسيس مدرستها الفرنسية في الجزائر. عملية ذات توجُّهين: تكسير المدرسة التقليدية، التي كانت تمثل “الملجأ القيمي” لرفض مخطط الاحتلال ككل، بل وملجأ للدعوة للجهاد، والإبقاء، بعد التأكُّد من الولاء التام لفرنسا، على بعض الزوايا الطرقية، لاستعمالها كوسائل تخدير إيديولوجي في الوقت الذي كانت فيه “المدرسة اللائكية” تحتلُّ القواعد الخلفية التي تركتها آثار التدمير الشمولي لمراكز التلقين والتعليم التقليدية. هذه المراكز  التي قاومت في البداية “غزو المدرسة للمسجد”.

وعليه، فقد شكل الجهاز المدرسي الفرنسي، باعتباره جهازا إيديولوجيا وسياسيا، قبل أن يكون تعليميا وعلميا، أداة إسناد فكري لاكتساح سياسي عسكري، لاسيما بعد بداية 1880، تاريخ القضاء على آخر المراكز التعليمية الجزائرية التقليدية. وهكذا تشهد الجزائر بواسطة قانون 1883 بداية مدّ وتوسيع لمبادئ الجهاز المدرسي الجديد، الذي فرض نفسه بفرنسا من خلال ثالوث “Jules Ferry”: العلمانية، المجانية، الإجبارية. هذا الجهاز الجديد في الجزائر، يكمن دوره الرئيسي في تحوله إلى سلاح ضد اللغة العربية والإسلام.

في هذا السياق، تأتي شهادة “Rambaud Alfred”، لتؤكد هذا المسعى التوسعي للهيمنة الكولونيالية: “.. لقد تم أول احتلال للجزائر بواسطة السلاح، والذي انتهى سنة 1871، مع عمليات نزع السلاح في بلاد القبائل (ثورة المقراني 1871). أما الاحتلال الثاني، فقد تجسد في إرغام الأهالي على قبول إدارتنا وعدالتنا، في حين أن الاحتلال الثالث، سوف يتم عن طريق المدرسة، التي ينبغي عليها تأمين سيطرة لغتنا على كل المقومات المحلية، وتلقين المسلمين الأفكار التي نؤمن بها نحن كفرنسيين عن فرنسا ودورها في العالم..”، وهذا حسب شهادة ” Rambaud Alfred”.) فاني كولونا: المعلمون الجزائريون. ص:24).

لقد بات من المؤكد أن بداية سنة 1880، كانت بداية لعهد احتلالي جديد، وأن الثمار الأولى قد بدأت تحتل مكانتها في سوق الثقافة الجديد، بعد إقصاء ثقافة ومثقفين كانوا يُلقَّبون بـ”العمائم الكبرى”، التي مثَّلت آخر حصون الرفض والمقاومة الثقافية الجزائرية.

هذه المدرسة، اليوم التي تريد أخيرا، أن تخرج من عباءة فُصِّلت لها منذ “جول فيري”، بعد أن أفشلت تجربة التأصيل إلى عهد قريب مع الوزير بن محمد. إرادة ناجمة عن التحول الجديد الذي تعرفه الجزائر، الذي، وللأسف لا يقدِّر قوَّته وجديته البعضُ منا، إما بسبب مرض الشك المزمن عندنا أو بسبب عدم الثقة والفهم، أو بسبب التنطُّع السياسي الطاعن في الإرادة الحسنة التي تتطلب عملا مشتركا لمدة لا تقلُّ عن عشر سنوات حتى نتخلص وبالتدرج، من مخلفات الاستعمار المدرسي. عملٌ يتطلب إعادة نظر شاملة وإعادة تأسيس لنظامنا المدرسي وفلسفة منظومتنا التربوية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • م/ب اولاد براهيم

    عظم قلمك واجعله يارب كالبحر سيالا؛ وكلامك لاينغذ مادمت حيا ترزق ... ايها الاستاذ الجليل..

  • محمد

    الإعلام الفاقد للوطنية الحقة هو الذي ساهم في منع تحرير المدرسة الجزائرية من العبودية التي اعتمدت استمرار التخلف الفكري والجهل المعرفي فأقامت سدا متحصنا يحرم على كل من تسول له نفسه كشف الحقائق الموضوعية التي انتشرت فيها إلى جانب الهمجية الممنهجة محاربة الأفكار النيرة.أما الادعاء بأن فرنسا هي التي تقوم حجر عثرة في سبيل انتشار اللغة العربية والإسلام وإن كان ذلك صحيحا فلا ينفي تشبث الطابور الخامس مستعملا اختلاق الأزمات المفتعلة ليبقى المجتمع تائها في عجزه عن استرجاع آماله التي ظن أنه قادر على تحقيقها.سوف نبقى نقاوم بالكلمة الحرة كل أنواع الانتهازيين والمتجبرين ما دمنا نثق بشعبنا ونستمر في رفع صوتنا مهما كان الصدى لصالح حماية أجيالنا الصاعدة.

  • جزائري حر

    مند 1992 والمدرسة الجزائرية تتعرض لتدمير ممنهج على مراحل وفق مخطط مدروس ولا أحد قال أح. الغاشي الراشي الدي يضرب في بطنه ولا يضرب في رأسه طيش عليك

  • شاهد ع العصر

    من يقارن بين مدرسة الستينيات والسبعينيات ومدرسة ما بعد 2020 خاصة يجد الجواب الشافي والكافي للمعظلة ومن يشاهد ويرى بعينيه جامعيين هذا الزمان يستنجدون بشيوخ زمان أوقفتهم أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية عن الدراسة في مستوى 4 متوسط في مدرسة الستينيات والسبعينيات ... لمساعدتهم حتى لملأ الصكوك البريدية أو استمارة ما لا تحمل بين سطورها الى المعلومات الشخصية : اللقب والاسم والعنوان والحالة العائلية ............ وباللغة العربية طبعا التي درسوها ودرسوا بها مختلف المواد لأكثر من 15 سنة سوف يتمكن فك الشفرة .

  • ضحية تعريب

    مدرستنا الوطنية، التي يراد لها اليوم أن تخرج من دائرة التأثير الفرنسي ... لا تأثير فرنسي ولا هم يحزنون فمدرستنا غادرت ما تسميه بالتأثير الفرنسي منذ أن عربت المدرسة الجزائرية خلال السبعينيات جزئيا ثم منذ منتصف الثمانينيات ( انطلاقا من 1986 ) بشكل كلي حيث لم تعد أي مادة تدرس باللغة الفرنسية بعد هذا التاريخ : رياضيات وعلوم وفيزياء وكيمياء ... فكلها أصبحت تدرس باللغة العربية أي منذ 35 سنة بالتمام والكمال والنتيجة : كارثة بكل المقاييس .. فلماذا اذن مسح الموس في اللغة الفرنسية بعد ما لم يبقى لهذه اللغة في المدرسة الجزائرية الا سويعات قليلة : 3 ساعات لغة فرنسية من مجموع 31 ساعة لتلاميذ السنة الأولى متوسط في الأسبوع مثلا و 3 ساعات أيضا لتلاميد النهائي علوم تجريبية من مجموع 35 ساعة أي 29 ساعة دراسة باللغة العربية + 3 ساعات للفرنسية + 3 ساعات للأنجليزية ... فبلماذا النفاق ؟ ولماذا عدم البحث عن الأسباب الحقيقة التي جعلت مدارسنا تكون الأميين الذين يعجزون على كتابة جمل خالية من الأخطاء بعد أن درسوا ما يقارب عقدين بين الابتدائي والجامعي وأحيانا أكثر .

  • شاهد على العصر

    من يقارن بين مدرسة الستينيات والسبعينيات ومدرسة ما بعد 2020 خاصة يجد الجواب الشافي والكافي للمعظلة ومن يشاهد ويرى بعينيه جامعيين هذا الزمان يستنجدون بشيوخ زمان أوقفتهم أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية عن الدراسة في مستوى 4 متوسط في مدرسة الستينيات والسبعينيات ... لمساعدتهم حتى لملأ الصكوك البريدية أو استمارة ما لا تحمل بين سطورها الى المعلومات الشخصية : اللقب والاسم والعنوان والحالة العائلية ............ وباللغة العربية طبعا التي درسوها ودرسوا بها مختلف المواد لأكثر من 15 سنة سوف يتمكن فك الشفرة .