-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المدرسة وصراعُ التشريعات

عيسى جرّادي
  • 222
  • 0
المدرسة وصراعُ التشريعات

لرصد المسار القانوني للمدرسة الجزائرية، تتوفر بين أيدينا وثيقتان رسميتان، شديدتا الأهمية والخطورة، وبغضّ النظر عن محتواهما، فقد مثّلتا في الوقت نفسه إطارا فلسفيا للمدرسة الجزائرية، أو بتعبير آخر خارطة طريق لها.
في هاتين الوثيقتين، رُسمت المعالم الكبرى لما يمكن اعتباره “مذهب المدرسة الجزائرية” القائم على ركيزتين: اللغة والدين (في الدول اللائكية يستعيضون عن الدين بالفلسفة)، صدرت الأولى في 1976 في صيغة أمرية وقعها الرئيس الراحل هواري بومدين، أما الأخرى التي حلت محلها، فصدرت في 2008 وسُميت في صلب النص “القانون التوجيهي للتربية”، وهي الوثيقة سارية المفعول حاليا.
فهل وفرت الوثيقتان رؤية تربوية وطنية محكمة وواضحة، تكون أساسا لتشريع فلسفة تربوية ناجحة، بمقاييس الفعل التربوي الميداني، وبالغايات المنشودة من هذه المدرسة؟
تتسنّى الإجابة عن هذا السؤال، بتحليل مضمون المادة الثانية في الوثيقتين، وهي المادة التي تكفلت في الحالين بتحديد توجهات هذه المدرسة وغاياتها الكبرى.
على مستوى أمرية 1976، وإلى جانب الديباجة القصيرة، فقد تضمنت الوثيقة “منطلقات المنظومة التربوية الجزائرية ومبادئ تنظيمها”، إذ تم رسم ملامح ومرتكزات هذه المدرسة، وهي في طور التحول، مستندة إلى رصيدها المتراكم على مدى خمسة عشر عاما، في صورة إنجازات ومحاولات إصلاح أولية.
لنتذكر أن عام 1976 لا يمثل فاصلا زمنيا مديدا وكافيا بعد الاستقلال، لتصوُّر مدرسة واضحة المعالم، كاملة الأركان راسخة الجذور، وحتى لا نذهب بعيدا في تقدير نضجها وإمكاناتها، فإلى غاية هذا التاريخ لا نزال نبحث عن ملامح هوية وطنية يكتنفها الاضطراب، وهذا ما تشي به مناقشات الميثاق الوطني في 1976، إذ أريد للإسلام والاشتراكية أن يتزاحما، لتتولى اللغة العربية وظيفة حامل المذهب السياسي للدولة.
الإيجابي في هذه المنطلقات، أنها كرَّست محورية اللغة العربية باعتبارها ركيزة هذه المدرسة، إلى جانب الإسلام الذي هو (إضافة إلى قيمه الروحية السامية، وتعاليمه السمحة، نظام اجتماعي كامل متكامل يرمي إلى إقامة مجتمع إنساني تسوده العدالة والحرية والمساواة).. وهو الملهم أيضا لـ(المضمون الاشتراكي للثورة الجزائرية)، الذي رآه كاتب النص بمثابة (امتداد مباشر، وصياغة نظرية مذهبية لتلك التقاليد والممارسات الشعبية العريق المستمدة من روح الإسلام، وتراث الحضارة العربية الإسلامية).
وهذا ما تمت ترجمته إلى نص تشريعي في المادة الثانية من الأمرية، التي حصرت (رسالة النظام التربوي في نطاق القيم العربية الإسلامية والمبادئ الاشتراكية)، وأوجبت المادة 8 منها أن (يكون التعليم باللغة العربية في جميع مستويات التربية والتكوين).
يمكن القول إن الأمرية هي واضعة أسس تعريب المدرسة الجزائرية، وما يلحق ذلك من مضامين فكرية وسياسية على غرار ديمقراطية التعليم ومجانيته واجباريته.

هذه النصوص -كما يبدو- لا تشرَّع للتعبير عن احتياجات المدرسة وغاياتها الوطنية وهويتها الأصيلة، بل توضع لتترجم قناعات من يقف خلفها، وينسجم مع أطروحاته الأيديولوجية، فثمة دائما من يحاول جر عربة هذه المدرسة بعيدا عن منابعها، ودفعها في اتجاه غريب عنها، ليسهل عزلُها عن واقع المجتمع الجزائري، وإبقاؤها عالقة في وحل مشكلات مصطنعة، تنظيميا وفكريا، مغيبة قسرا عن مقتضيات تاريخنا وحضارتنا، وكل هذه الآمال التي يجري التعبير عنها في أكثر من مناسبة وموقف.

وبإحلال القانون التوجيهي للتربية الوطنية محل الأمرية المشار إليها، وتحديدا في مضمون المادة الثانية منه، نقف على تغييرات جذرية وشاملة على مستوى المفاهيم، فيختفي مصطلح الاشتراكية، الذي سُحب من النص نهائيا، لتبرز بدله مصطلحاتٌ أخرى على غرار “المعاصرة، الأمازيغية، السِّلم، التفتح على الحضارة العالمية”، تمت صياغتها بتعبيرات فضفاضة، هي أقرب إلى المصطلح الفلسفي منها إلى لغة التشريع الدقيقة، ما يتيح تأويلها على أي نحو.
بمقتضى هذه المادة، أنيط بالمدرسة التكفل بـ(تكوين مواطن مزوَّد بمعالم وطنية أكيدة، شديد التعلق بقيم الشعب الجزائري، قادر على فهم العالم من حوله والتكيف معه والتأثير فيه، ومتفتح على الحضارة العالمية)، ولكم أن تتصوروا إيحاءات هذه المصطلحات، وكأن من وضعها كان على دراية بأهمية الغموض في تمرير المصطلح.
ولتجسيد هذه المعاني -حسب نص المادة- تسعى التربية إلى تحقيق غايات محددة، منها:
– تجذير الشعور بالانتماء للشعب الجزائري في نفوس أطفالنا وتنشئتهم على حب الجزائر وروح الاعتزاز بالانتماء إليها، وكذا تعلقهم بالوحدة الوطنية ووحدة التراب الوطني ورموز الأمة.
– تقوية الوعي الفردي والجماعي بالهوية الوطنية، باعتباره وثاق الانسجام الاجتماعي وذلك بترقية القيم المتصلة بالعروبة والأمازيغية.
– تكوين جيل متشبِّع بمبادئ الإسلام وقيمه الروحية والأخلاقية والثقافية والحضارية.
أما على مستوى موقع اللغة، فتم النص على:
– ضمان التحكم في اللغة العربية، باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية، وأداة اكتساب المعرفة في مختلف المستويات التعليمية ووسيلة التواصل الاجتماعي وأداة العمل والإنتاج الفكري.
– ترقية وتوسيع تعليم اللغة الأمازيغية.
كما نقرأ في المادة 33 التأكيد على أن (يتم التعليم باللغة العربية في جميع مستويات التربية، سواء في المؤسسات العمومية أو المؤسسات الخاصة للتربية والتعليم)، وفي المادة 34 تتم الإشارة إلى ما يبرر إدراج الأمازيغية في المنظومة التربوية (من أجل الاستجابة للطلب المعبَّر عنه عبر التراب الوطني).
وهنا جب أن ندرك أن القانون التوجيهي للتربية الوطنية، قد أعقب الإصلاحات التي بادرت بها اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية (مايو 2000)، وفي خلفية نص خطاب رئيس الجمهورية السابق الذي ألقاه أمام اللجنة، وفي ضوء مرجعية نص الرسالة التي وجّهها للُّجنة، وحدّد فيها مهمتها، فقد حاول معدو هذا القانون استثمارَ التقرير الذي قدمته اللجنة خلاصةً لأشغالها، بمعية التوصية الخاصة بإجراءات استعجالية محدّدة. وسأتناول كل ذلك بالتفصيل في مقالات لاحقة.
وبذلك، تحول “النص التشريعي” إلى منبع أزمة، تكبح هذه المدرسة، وتعيق انطلاقها في أفق رحيب، تتيحه معارف العالم المعاصر، من دون المخاطرة برهن الهوية الوطنية ثمنا لذلك؛ فهذه النصوص -كما يبدو- لا تشرَّع للتعبير عن احتياجات المدرسة وغاياتها الوطنية وهويتها الأصيلة، بل توضع لتترجم قناعات من يقف خلفها، وينسجم مع أطروحاته الأيديولوجية، فثمة دائما من يحاول جر عربة هذه المدرسة بعيدا عن منابعها، ودفعها في اتجاه غريب عنها، ليسهل عزلُها عن واقع المجتمع الجزائري، وإبقاؤها عالقة في وحل مشكلات مصطنعة، تنظيميا وفكريا، مغيبة قسرا عن مقتضيات تاريخنا وحضارتنا، وكل هذه الآمال التي يجري التعبير عنها في أكثر من مناسبة وموقف.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!