-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المساجد.. من الوَحدة إلى الفتنة!

جمال غول
  • 5438
  • 0
المساجد.. من الوَحدة إلى الفتنة!

إنّ ما تشهده مساجدنا هذه الأيام من خلافات بخصوص البروتوكول المطبَّق بسبب الوباء، بين رافض له وداعم لاستمراره، يكاد يصل إلى درجة الفتنة التي هي أشدُّ من القتل، ولو كان الأمر مقتصراً على بعض المساجد التي يُعرف روّاَدُها باختلاق المشاحنات لهان الخطْبُ، وكما يُقال: “إذا عُرف السَّبب بَطُل العَجَب”، لكن الأمور ذهبت إلى أكثر من ذلك، وانتقلت الخلافات والمشاحنات إلى المساجد التي طالما عُرفت بالهدوء، وناءت بروَّادها عن كلِّ خصام.

إنّ انقسام المصلّين بين الرّاغبين في التزام التَّباعد إلى حين إلغاء البروتوكول وبين السَّاعين إلى التَّراص دون انتظار الإذن في ذلك قد أشعل فتيل الفتنة داخل بيوت الله، التي من مقاصد إقامتها جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، لذا وجب معالجة هذا الوضع الخطير قبل اشتداده، والذي سيؤدِّي -لا قدّر الله- إلى فساد عريض في الأرض.

إنَّ الفوضى التي تشهدها بيوت الله هذه الأيام من ارتفاع الأصوات، وارتباك الصُّفوف، وقلَّة احترام بعض النَّاس لبعضهم الآخر قد أفسد علاقات الوُدِّ والأخوَّة، فتنافرت لذلك القلوب، وأصبح سوءُ الظّنِّ وتبادل الاتهامات هو سيِّد الموقف، فلا مقصد الجماعة حقّقنا، ولا قيمة الأخوّة الإيمانيّة عزَّزنا، يضافُ إلى ذلك أنَّنا مُقبلون على موسم كريم، وشهر فضيل ملئُه الرَّحمة، وعُنوانه الوَحدة، ومقصدُه التقوى، فهل سندخُله ونحن على هذه الحال من التَّشاحُن والاختلاف، سواء رُفع البروتوكول أم بقيَ سارياً؟

وإذا سلّمنا بأنّ تراجع عدد الإصابات بالوباء غير كفيل برفع البرتوكول، وقد منّ الله علينا بالعافية بعد الوباء، والسلامة بعد الداء، والقاعدة الأصولية أن: الحكم يدور مع علّته وجودا وعدما، أليست الفوضى الواقعة في بيوت الله تجعلنا نبادر لإخماد نيران الفتن وإلغاء البروتوكول؟! وأيُّ فتنة أكبر من أن تكون المساجد ميداناً للخصومات، وساحةً للعُنف اللّفظي، وحتى الجسدي في بعض الأحيان؟ إنّ الموازنة الصَّادقة بين المصالح والمفاسد تقضي برفع البروتوكول عن المساجد فوراً، وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل حلول الوباء.

إنّ حالة المساجد اليوم أشبه بغرفة مليئة بالغاز، وأيُّ كلمة من الإمام لصالح الإبقاء على البرتوكول أو رفعه بمثابة عود كبريت، يُلحِقُ الدَّمار بالمكان وأهله، وأيُّ دمار أكبر من أن تتحوَّل بيوت الله إلى حَلَبة صراع، والجميع فيها خاسر، فعلى الوزارة الوصيّة أن تسعى جاهدة إلى إقناع الجهات المختصَّة التي تُنسِّق معها بإلغاء البروتوكول وتجميده، وبالسُّرعة اللازمة وعليها حماية أئمَّـتها وموظَّفيها -الذين هم في فوهة المدفع دائما- من تطاول النَّاس وإيذائهم، ونعتهم بالخيانة والعَمالة.

إنَّ الأئمَّة يتساءلون كما يتساءل غيرهم: هل يُصلِّي المسؤولون في المساجد، ويُعايشون بذور هذا الانقسام، وشَرَر هذه الفتنة؟ وإنها لفتنةٌ كبرى لن تقتصر على المساجد وروّادها، بل ستتطاير شظاياها إلى المجتمع بأكمله، فيهلَك الصَّالحُ قبل الطّالح، وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال: 25].

فهل سندخل رمضان بهذا الانقسام والشِّقاق؟ وهل سنصوم نهاره ونقوم ليله بهذا التّفرُّق والتمزُّق؟ سيذهبُ جمال الشَّهر وحلاوة العبادة فيه بهذه المشاحنات المقيتة، وستتعطّل مصالح الفقراء والمحتاجين حين لا يجدون من يلتفت إليهم في بيوت الله وخارجها، فأيُّ تغيير ننشده في رمضان وبعد رمضان إذا بقيت دار لقمان على حالها، فرحم الله من أمات هذه الفتنة، وسعى في وأدها، وليس ذلك بعصيّ ولا عزيز على الغيورين وأولي الأمر منّا.

فما أحوج أمَّتنا في هذه الظُّروف التي يموج فيها العالم بالحروب والمؤامرات إلى رصِّ الصُّفوف، وتآلف القلوب، وجمع الكلمة على خدمة الدِّين والوطن، وحماية مكتسبات الوَحدة وروابط الأخوَّة، فإذا عملنا على تحقيق ذلك سيكون رمضان هذا العام بإذن الله محطَّة لبناء جزائر جديدة، وأمَّة مجيدة؛ لأنَّ التغيير الآمن والصَّحيح هو الذي يبدأ من داخل النَّفس، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرَّعد: 1.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!