-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المسلم عزيز بخالقه.. لا يحني رأسه لمخلوق

الشروق
  • 870
  • 0
المسلم عزيز بخالقه.. لا يحني رأسه لمخلوق

قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: 39- 40)؛ فمن خلق المسلم أن يغفر إذا استغضبه من دونه، ومن خلقه كذلك أن يؤدب المجترئين عليه، حتى يفل حدهم ويكسر شوكتهم. وهو في هذه الحال مكلف أن يبرز قوته حتى يرهب المجرمين، وله وهو في هذا المكان العالي أن يعفو، فإنّ عفو المقتدر، بعد أن تنتفي علائم الضعف، لون آخر من تأديب المجرمين وكرامة المؤمنين.. فالخُلق الذي تضمنته الآية الأخيرة، ٬ يغير الخلق الذي تضمنته الآية الأولى؛ فالأولى تعني التجاوز عن هفوات العاثرين. ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: 37)، أما الأخرى فتقدم الجاني إلى القضاء، وتصدر عليه العقاب، وتمكن سيف القصاص من عنقه. حتى إذا انكسرت سطوته واختفت جرأته، جاء الفضل، بعد استطالة العدل، فكان زيادة في انقماع المستخفين وزيادة في عزة المسلم..

ولما كان في النفس الإنسانية شيء من الضعف أو القلق، ربما حملها على الخنوع لمن يملك الفصل في أمورها وقضاء مطالبها، وربما انزلق بها إلى مواقف تجافي الكرامة، لذلك علمنا رسول الله ألا نستكين في هذه الأمور وأن تبقى جباهنا عالية ونحن نسعى إلى ما نبغى فقال: “اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجرى بالمقادير”، وبين لنا أن البشر ولو اجتمعوا بأسرهم أذل من أن يمنعوا شيئا أعطاه الله، وأقل من أن يعطوا شيئا منعه الله، ومن ثم فعلى المسلم أن يرُد مصاير الأمور إلى مدبرها الأعظم، وأن يجعل فيه الثقة وعليه المعول، وليكبر دينه فلا يذل به، وليملك نفسه فلا يعطى فرصة لأحمق كيما يستعلى ويستكبر، فإن قرارا ما لن يتم إلا إذا أمضاه الله، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (فاطر: 2)، ومظهر السلطة الذي يمنحه الله طائفة من العباد لا يغير قيد شعرة من إرادة القاهر فوق العباد.

إننا في أحيان كثيرة نحس أننا مغلوبون على أمرنا لكن هذا الإحساس منتف في حق الله الذى لا يمكن أن يُعجزه شيء: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)؛ فالأدنى إلى الحق، والأقرب إلى النفع، والأرشد في علاج المشاكل أن يظل المسلم منتصب القامة مرتفع الهامة، لا تدنيه حاجة ولا تطويه شدة، يجأر إلى مولاه بالدعاء ويكشف انكساره لربه وحده؛ فلا يبدى صفحته لمخلوق، فاقها قول الله له: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الأنعام: 107). وقد علمت كيف علم الرسول أصحابه الاستغناء والاكتفاء، وفطم النفوس عن أن تسأل الناس شيئا حتى التافه الذي لا يضير، فكان أحدهم ينزل عن ناقته ليلتقط سوطه، ويرفض أن يكلف أحدا مناولته إياه.

إن الناس يذلون أنفسهم، يقبلون الدنية في دينهم ودنياهم، لواحد من أمرين: إما أن يصابوا في أرزاقهم٬ أو في آجالهم. والغريب أن الله قطع سلطان البشر على الآجال والأرزاق جميعا، فليس لأحد إليهما من سبيل؛ فالناس في الحقيقة يستذلهم وهْمٌ نشأ من أنفس مريضة بالحرص على الحياة والخوف على القوت. والناس من خوف الذل في ذل، ومن خوف الفقر في فقر. (خلق المسلم، محمد الغزالي).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!