-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المقاولاتية في الجزائر بين الاكتشاف والاختراع والابتكار!

د. عمر هارون
  • 1137
  • 0
المقاولاتية في الجزائر بين الاكتشاف والاختراع والابتكار!

ديناميكية غير مسبوقة تشهدها الجزائر في مجال المؤسسات الناشئة، عالم جديد دخل إلى القوانين الجزائرية في 2020 لمواكبة ما يحدث في العالم ونظام بيئي متكامل تم وضعه تحت تصرف شباب الجزائر من أجل تحقيق أحلامهم في تحويل أفكارهم الإبداعية الابتكارية إلى مؤسسات تساهم في خلق القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.

لكن مع كل الجهود المبذولة، سواء من وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمصغرة أم من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتأطير وإشراف وتوجيه من السيد رئيس الجمهورية، إلا أن العديد من المتابعين للمجال لم يستطيعوا بعد استيعاب حدود وتأثير الإبداع والابتكار على المؤسسات الناشئة بصفة خاصة وعلى ديناميكية إنشاء المؤسسات الصغيرة بصفة عامة.

ومن خلال هذا المقال سنحاول إيصال الرسالة بشكل مبسط وواضح للمتخصص وغير المتخصص وفق رؤيتنا طبعا.

العودة إلى الأساس

ركَّزت الجزائر في المرحلة السابقة على إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والطريقة كانت سيئة وتحتاج إلى مراجعة جذرية، وتركزت أغلب المشاريع في بدايات “لونساج” حول الخدمات، خاصة النقل، وحتى بالنسبة للمشاريع الإنتاجية فالتركيز كان على جلب آلات متوسطة من الخارج لإنتاج منتجات متشابهة تتركز في الأكواب الورقية والجوارب والأحذية وبعض الأفرشة… كما دعمت الوكالة بعض النشاطات الفلاحية والتحويلية والكل يعلم إلى أين وصلت هذه المشاريع خاصة بعد البيان الذي أصدرته مؤخرا الوكالة الوطنية لدعم وتنمية المقاولاتية الذي أكدت فيه أن الدراسة التي قامت بها على 22687 أفضت إلى أن حوالي 37 بالمئة منها ناشطة و55 بالمئة غير متواجدة في الميدان و06 بالمئة متوقفة عن النشاط وتحوز العتاد، صحيح أن هناك اختلالات كبيرة في عملية التمويل والمرافقة والتكوين وأكيد أن العمل الذي تقوم به الوزارة المسؤولة والوكالة سيكشف كل شيء، لكن المطلوب الآن هو إيجاد آلية لإطلاق العمل على المؤسسات الصغيرة وإعادتها إلى السوق، وهو ما سيكون من خلال احتضان مشاريع الطلبة التي لا تحتوي الحجم الكافي من الابتكار لجعلها مؤسسات ناشئة، وذلك بعد الاتفاقية الموقعة بين الوكالة الوطنية لدعم وتنمية المقاولاتية والمديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، ومن هنا سيُطرح تساؤلٌ مفاده: ما هي الحدود التي تفصل بين فكرة توجه لتكون مؤسسة ناشئة وبين مؤسسة مصغرة رغم المطالبة في الحالتين بالابتكار؟

بين الاكتشاف والاختراع والابتكار

إذا كان البحث عن الاكتشاف عملا يحتاج لإمكانات وقدرات كبيرة، والاختراع بحاجة لمواكبة تقنية ومرافقة فنية دقيقة، فإن الابتكار قدرة بشرية على تطويع ما توفر ووُجد في حل المشاكل المؤرِّقة للبشر بطريقة فريدة. إن الاكتشاف هو حالة فريدة تصل إليها البشرية لأول مرة، فالمكتشف هو أول من يصل ويُثبت حقيقة علمية عادة ما يتم استخدامها وتثمينها اقتصاديا، فدواء البنسيلين أو اللقاحات أو الكهرباء أو الجاذبية وغيرها من الاكتشافات العلمية التي أصبحت اليوم سببا رئيسيا في عديد من المشاريع الاقتصادية تدر على صاحبها بمجرد الوصول إليها مبالغ مالية خيالية، لكن الوصول إليها يعدُّ أمرا صعبا لا يحدث بشكل متكرر، ولذا من الصعب الاعتماد عليها لتطوير المؤسسات الناشئة والحصول على العوائد الاقتصادية.

في المقابل، فإن الاختراع حالة فريدة، وتعريفه الأبسط ربما هو كل فكرة جديدة ومفيدة تصلح للتطبيق والتجسيد في مجالات مختلفة خاصة الصناعية منها، وتعتمد مصداقية الاختراع على براءة الاختراع التي يتحصل عليها صاحبها من OMPI بالنسبة للتأكيد والحماية العالمية ومحليا من خلال وكالات محلية على غرار المعهد الوطني الجزائري للملكية الصناعية  INAPI  وذلك لكل ما لا يتعلق بالحقوق الفكرية والتطبيقات لأن ONDA  هي المسؤولة عن حمايتها في الجزائر، وحقيقة هذا الموضوع يحتاج أن نفرد له مقالا خاصة لشرحه وتفصيله ولنا عودة إليه بإذن الله.

وفي حالة براءة الاختراع، فإن التسويق سيكون للبراءة في حد ذاتها ببيعها بشكل مباشر لمؤسسة اقتصادية تستخدمها لمدة 20 سنة بشكل حصري أو تكون أساس إطلاق مؤسسة ناشئة، والمؤسساتُ الناشئة التي تعتمد فكرتُها على براءة اختراع عادة ما تكون قادرة على جلب الأسواق بشكل سريع وتحقيق أرباح كبيرة، لكن أهم المشاكل التي تعترضها هو ارتفاع تكلفة حماية الأفكار خاصة على المستوى الدولي، وهو ما جعل العديد من المؤسَّسات تبتعد عن هذا النوع من المؤسسات الناشئة الناتجة عن براءة اختراع وتلجأ إلى البحث عن أفكار ابتكارية، والمقصود بالابتكار هنا هو استخدام الموارد المتاحة في تلبية الحاجات وإشباعها بطريقة جديدة، فمثلا حين احتاج العالمُ إلى سيارة كهربائية عكفت كبريات الشركات المصنِّعة للسيارات على تطوير بطارية خارقة قادرة على السير لألف أو ألفي كلم دون أن تحتاج للشحن، وهو عملٌ يحتاج إلى اختراع يُتوَّج ببراءة اختراع، لكن ايلون ماسك فكّر بطريقة مبتكرة من خلال جمعه لعدد من البطاريات المتاحة في السوق ووضعها في صندوق قوي وأطلق أول سيارة كهربائية استطاعت أن تغزو الأسواق بفكرتها الابتكارية وسبقت كبريات الشركات العالمية في المجال فنجحت “تيسلا” أن تمتلك السوق الخاص بالسيارات الكهربائية لمدة طويلة قبل أن تدخل مؤسساتٌ أخرى للمنافسة.

ومنه، فإن الابتكار هو قدرة المؤسسة على استخدام المتاح لاكتساب السوق، وهي عملية لا تحتاج لبراءات اختراع عالية التكلفة لحمايتها أو اكتشافات قد تحدث وقد لا تحدث، وهنا يبدأ الحديث عن مستويات الابتكار التي يكون بعضها مرتفعا تكنولوجيا أو تقنيا من خلال استخدام برمجيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي على غرار Chat GPT  التي استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي بطريقة ابتكارية فسبقت كبريات الشركات الكبرى واستطاعت أن تستولي على حيِّز كبير من السوق، ونجحت في ما فشلت فيه الشركات الكبرى على غرار غوغل وميكروسوفت التي أصبحت تحاول اللحاق بالركب.

كما يمكن أن يكون الابتكار في طريقة التسويق وامتلاك السوق، فتطبيق “زوم” يمنحك 40 دقيقة فقط في نسخته غير المدفوعة فإن اشتركت يسمح لك بالعمل لفترات غير محدودة مع إمكانية نقل الأحداث عبر مختلف وسائط التواصل الاجتماعي، وهدف الشركة ليس كل من يستخدم التطبيق بل الجزء الراغب في استخدامه الخدمات غير المجانية وهو النموذج المعروف بنموذج Freemium Model.

الاكتشاف هو حالة فريدة تصل إليها البشرية لأول مرة، فالمكتشف هو أول من يصل ويُثبت حقيقة علمية عادة ما يتم استخدامها وتثمينها اقتصاديا، فدواء البنسيلين أو اللقاحات أو الكهرباء أو الجاذبية وغيرها من الاكتشافات العلمية التي أصبحت اليوم سببا رئيسيا في عديد من المشاريع الاقتصادية تدر على صاحبها بمجرد الوصول إليها مبالغ مالية خيالية، لكن الوصول إليها يعدُّ أمرا صعبا لا يحدث بشكل متكرر، ولذا من الصعب الاعتماد عليها لتطوير المؤسسات الناشئة والحصول على العوائد الاقتصادية.

إذن، فالابتكار هو نظرة صاحب الفكرة للمشروع وطريقة التعامل مع حاجات المتجددة المتنوعة والمتزايدة للبشر وفق الموارد المتاحة لديه لكن بشكل يختلف عن الرؤية التقليدية المتعارف عليها بهدف كسب أكبر سوق ممكن لتحقيق أكبر ربح ممكن دون مخالفة القوانين طبعا، ولعل أول صاحب محل للأكل السريع الذي عوّض الساندويتش بأطباق الشخشوخة والزفيطي واللبن تحت الخيمة مبتكِرٌ في تلبية حاجة السوق، والأكيد أنه حين يقلّ عدد الزبائن المقبلين على الأكلات التقليدية سيجد طريقة لتعويض ما سبق بما يجلب الزبائن، وهي العقلية الريادية التي نبحث عن ترسيخها في شبابنا.

ما الذي يجب أن يكون في الاقتصاد الوطني؟

إننا في الجزائر بصدد إطلاق نموذجنا الاقتصادي في مجال المؤسسات الناشئة والمصغرة، وفي زمن أصبح الوصول إلى الريادة أمرا ممكنا فإن التركيز على الابتكار بمعناه الواسع هو الحل الأمثل لتلبية حاجة الوطن من المؤسسات الناشئة والمصغرة، فكلها يجب أن تعتمد على الابتكار في أحد جوانبها سواء في الفكرة في حد ذاتها أم في مجال استخدام المواد الأولية أم في طريقة التسويق أم تقليل التكاليف، فالمطلوب هنا هو رؤية ابتكارية للأفكار المطروحة، وكل ابتكار يحتاج إلى الإبداع وعادة ما يرتبط الإبداع والابتكار بالجامعة ومخرجاتها من الطلبة، من خلال مرافقة حتمية للواجهات الموجودة على مستوى الجامعات خاصة الحاضنات ودور المقاولاتية.

ووفق خبرة وتجربة المرافقين يتم تصنيف الأفكار فما كان يحمل حدا كبيرا من الابتكار صُنِّف مؤسسةً ناشئة، وإذا قلَّت نسبة الابتكار تحولت الفكرة إلى مؤسسة مصغرة، وبهذه الطريقة سنضمن رواد أعمال قادرين على التأقلم مع مختلف الظروف التي تعترض المؤسسة بعد إنشائها سواء كانت مصغرة أم ناشئة، فالمبدع المبتكر قادرٌ على التعامل مع مختلف الظروف، والأكيد أنه سيعرف قيمة ودور التكوين المستمر، كما أنه سيكون قادرا على تحديد أسباب الفشل المرحلية ويصحِّحها أو يطالب بتصحيحها إن وُجدت، وهو ما سيمكِّننا من تكوين جيل جديد من روّاد الأعمال القادرين على سد الفراغ الرهيب الموجود اليوم في الجزائر. هي إستراتجيةٌ قد تحتاج إلى وقت قد يصل إلى خمس سنوات لنجاحها، لكنها ستكون أفضل حل للخروج من عباءة التبعية للنفط والاستيراد، وإيماني الكبير هو في شبابنا لأنهم قادرون على خلق الفارق بفضل ما يحملونه من قدرات متميزة ورغبة في النجاح وحب للوطن.

Omarharoun88@gmail.com

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!