إدارة الموقع

الملكة غير المُتوَّجة

الملكة غير المُتوَّجة
ح.م

منذ قرن مضى، وبالضبط في 29-6-1921 نصَّب الإنجليز المسمَّى فيصل بن الحسين (1885- 1933) “ملكا” على عراق هارون الرشيد، والمأمون، والمعتصم. ولكن الأمر لم يكن لهذا “الفيصل”، الذي كان ينفذ ما يُؤمر به كما ينفذ أبسط جندي ما يأمر به أصغرُ ضابط، ولهذا كان هذا “الفيصل” صادقا مع نفسه، إذ كان يردد أمام بطانته – دون حياء أو خجل – قوله: “أنا موظَّفٌ عند جلالة ملك بريطانيا بدرجة ملك”، والمهم أن “يتمتع” بلقب “ملك”، مجسدا قول الشاعر العربي:

تعشق الألقاب في غير العُلاَ وتفدي بالنفوس الرُّتَبَا

ومجسدا المثل العربي القائل: “يا حبذا الإمارة ولو على الحجارة”.

وكم من أشباه البشر ضحّوا بكرامتهم من أجل هذه الألقاب الزائفة، التي ما تشبثوا بها إلا ليعوضوا عن نقصهم، إذ ما كانوا أهلا لألقاب “الجلالة” و”الفخامة” و”السمو” و”المعالي”، وإنما هي، كما قال ابن رشيق المسيلي: “ألقاب مملكة في غير موضعها كالهرِّ يحكي انتفاخا صولة الأسد”.

ويا ليت هذا “الفيصل” كان موظفا عند ملك بريطانيا التي كانت أيّامئذ إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ولكنه كان موظفا عند “بغيٍّ” بريطانية تُسمى الآنسة “غير ترودبيل”، التي لم يطمثها في الحلال إنس.

هذه المرأة جثا على ركبهم أمامها كبراءُ الجزيرة العربية من شيوخ قبائل وأمراء… وقد أطلق عليها اسم “ملكة العراق غير المتوَّجة”، ولو سُميت “ملكة العرب غير المتوَّجة” لكان أصدق، لأنها لم تعمل في العراق إلا عشر سنين، وأكثر عملها كان مع أمراء الجزيرة “العربية” وشيوخ قبائلها… إذا كان في كل قبيلة أمير ومنبر”.

وُلدت غير ترود بيل في 14 جوان من سنة 1868 في إنجلترا، تخرّجت من قسم التاريخ في جامعة أوكسفورد وأتقنت كلا من اللغات الفارسية والتركية والعربية والألمانية والإيطالية والفرنسية.. تجولت في كل بلدان المشرق العربي إضافة إلى إيران وتركيا.

عملت في المخابرات البريطانية، وقد ألحت كثيرا على ونستون تشرشل لتعيين فيصل بن الحسين -بعدما طردته فرنسا من سوريا– ملكا على العراق، وكانت مستشارة شخصية وسياسية لـ”جلالته”، ولها الكلمة العليا في تعيين كبار المسئولين في المناصب العليا..

يركز أكثر المؤرخين لما سُمِّي “الثورة العربية الكبرى” على دور الجاسوس البريطاني “لورنس” المنسوب للعرب، ويغفلون – سهوا أو عمدا– عن هذه الجاسوسة، التي تعرف عن كبراء العرب ما لا يعرفونه هم عن أنفسهم، لأنها تعلم البواطن قبل الظواهر، وقد ماتت هذه الجاسوسة في بغداد في 12 جويلية من سنة 1926، تاركة وراءها كتاباتٍ كثيرة عن جغرافية المنطقة، وعن قبائلها، وشيوخ هذه القبائل، وأوضاعها الاجتماعية، ومما تركته كتاب عنوانه “أوراق منسية من تاريخ الجزيرة العربية”، وهو عبارة عن تقارير الاستخبارات البريطانية في أوائل القرن العشرين، وهو مطبوعٌ ومترجمٌ إلى اللغة العربية، ومما جاء فيه عن أحد الأعراب الذي سيصير “ملكا”: “.. إن الحكومة العثمانية قد سعت إلى تفكيك وإضعاف الأمة العربية، بينما السياسة البريطانية قد استهدفت توحيد وتقوية قادة الأمة”. (ص 61). فهل هناك عمى وغباءٌ أكثر من هذا؟ والكارثة هي أن دار لقمان على حالها. وصدق الإمام الإبراهيمي القائل:

لا يقتضي تغيُّر الأحوال ذهاب “والٍ” ومجيء “والِ”

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • كمال

    الدور الاساسي لتغيير وجه المنطقه كان للبريطاني لورنس فهو من خطط و فجر ما يسمى ( بالثوره العربيه ) و دور مس بيل كما يطلق عليها في المنطقه كان ثانويا مقارنه بلورنس . شريف مكه الحسين بن على تعرض لخديعه و ذلك لحسن نيته و لجهله بخبث الانكليز .. كان يتصور نفسه ندا للانكليز و ان عداءه للعثمانيين يجعل منهم ( صديقا ) سيشكر و يكافأ عند الانتصار على العثمانيين و هذا لم يحصل طبعا من جهه اخرى دعنا لا نتجاهل سوء تعامل العثمانيين مع المشرق عموما و هذا هو السبب الرئيسي وراء تمرد العرب عليهم .. حصل هذا منذ 111 سنه لم يكن هناك انترنت ولا صحف ولا مكتبات بل كانت الاميه و الجهل منتشران .

  • محمد العربي

    مقال هادف شيّق ، و الحديث قياس ....... أليس كذلك استاذنا الفاضل