-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الممارسة السياسية وقوانين الطبيعة!!

التهامي مجوري
  • 502
  • 0
الممارسة السياسية وقوانين الطبيعة!!

فممارسة السياسية وجه من وجوه الاهتمام بالشأن العام الكثيرة، وإنما يغلب عليها الاهتمام بالسلطة والسعي إليها اكثر من غيرها من مجالات الشأن العام الأخرى، على اعتبار أن السلطة هي التي تحقق ما تهدف إليه المجتمعات، بفضل ما تملك من قوة واعتراف لها باستعمالها حفاظا على النظام العام، وبما لها من مصداقية في إطار مؤسسات الدولة، على خلاف غيرها من الأنشطة الأخرى التي يمارسها الناس في حياتهم الخاصة والعامة وهي في الغالب من تنظيم الناس واجتهاداتهم وابداعاتهم في في الاهتمام بالشؤون العامة وخدمة المجتمعات.

وهي تمارس بأكثر من وجه، تمارس بوجه يسمى فن الممكن، أي السعي وراء تحقيق ما يمكن تحقيقه، حيث لا سبيل للتفكير في غير الممكن، وتمارس بالسعي إلى الوصول إلى السلطة بأي وجه كان بالخداع وبالتزلف وبالمساومات، وتمارس بالمعارضة من أجل الضغط والمشاركة في الفعل السياسي، وتمارس بالموالاة المطلقة لكل سلطة قائمة، وتمارس بمعارضة السلطة بإطلاق وبالضغط عليها لتحقق الحد الأقصى من المطالب الشعبية…، وإلى ما هنالك من وجوه الممارسة التي يلاحظها الناس.

اما قوانين الطبيعة فهي القوانين التي تحكم حركة الوجود والحياة، ولها سالطتها التي لا تسمح لأحد بتجاهلها أو مساومتها في قضية لها موقفها الحاسم منها، كما ترفض التردد والتراجع فيما حسمت فيه، وحتى لا تحسب علينا هذه العبارة “خرجة إلحادية”، نقول إن هذه القوانين وضعها الله في العلاقات بين البشر والحياة والكون، كما وضع القوانين الفيزيائية والبيولوجية حاكمة على حركة الوجود في المادة وعالم الأحياء…، ومثلما للجانب المادي من الكون قوانين لها سلطة عليه، لا تغادر أحدا في صغير أو كبير، فإن للعلاقات الإنسانية قوانين لها سلطتها عليها أيضا، علمناها أم جهلناها. فمثلما لقانون الجاذبية سلطة صارمته، فإن للنجاح والفشل في كل ما يتعلق بالإنسان قوانين صارمة، ترفض الخضوع لمن يتجاهلها، فلا تحترمه ولا تقدر جهده وقيمه واجتهاداته إذا لم تنطلق من مقرراتها الثابتة فيها.

لقد اهتم الناس بالممارسة السياسية ومباشرة الأنشطة فيها اكثر من اهتمامهم بهذه القوانين الناظمة للحياة والحاكمة على الناس بالنجاح والفشل، فأسرعوا إلى إنشاء الأحزاب وممارسة النضال وعقد التحالفات وتعبئة الجماهير وتأطيرها في هذا القالب أو ذاك، من مبادراتهم المتعددة، ونسوا أن ما يقومون به إذا لم يكن موافقا لتلك القوانين الناظمة والضابطة لحركة الوجود، لا معنى له ولا جدوى من ورائه،”إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها”.

فما هي هذه القوانين يا ترى؟ وهل يستحضرها الناس دائما في ممارساتهم السياسية وهم يناضلون ويخططون ويتحالفون ويوالون ويعارضون؟

وإذا استحضروا بعض هذه القوانين هل يستحضرونها كاملة جامعة؟ أم يستحضرونها مجزأة ممزقة موزعة هنا وهناك؟ بحيث لا تنفع ساعيا ولا ينتبه إليها غافلا!!

لا أظن الممارسين للسياسة في بلادنا وغيرها من بلاد العرب المسلمين، أنهم أعطوا لهذا الجانب حقه؛ لأنهم في تقديري لم يشعروا بالحاجة إلى ذلك بالقدر الكافي، بقدر اعتمادهم على عدالة قضاياهم، فلم يهتموا او لم ينتبهوا إلى مستوى القوة والجدية لهذه القوانين وهيمنتها على الحياة، أو على الأقل لم يهتموا أو لم ينتبهوا إلى ذلك بالقدر الذي يجعلها تهمين على طاقات الإنسان فتستولي عليه بحيث يعطيها حقها من الاهتمام المطلوب.

إن قانون الفوز والنجاح في الممارسة السياسية لا يخضع لمجرد الجهد المبذول، او شرعية القضية ومصداقية أصحابها فحسب، وإنما يخضع أيضا لتوفير الشروط اللازمة في القضية وانتفاء الموانع الحاجبة للفوز، ومراعاة المدد الزمنية في المشاريع والمبادرات، بحيث لا يتحقق الفوز والنجاح إلا باستكمال ذلك، لأنها قوانين لا تقبل التجاهل بحيث إذا لم تحضر بالمقادير اللازمة لا يمكن القفز عليها إلى غيرها من الأمور.

يعتقد الكثير من الناس أن من حسنت نيته في خدمة الناس مرشح للنجاح، على خلاف من ساءت نيته تجاههم، بحكم أن الأول يريد الخير للناس والثاني لا يريده لهم، أو يريده لنفسه أكثر منهم.

وهذه القضية تعتبر من أخطر ما يخدع الناس في نشاطاتهم المتعلقة بالاهتمام بالشأن العام ومنه الممارسة السياسية؛ لأن من طلب الحق ليس كمن أدركه كما يقول الإمام علي رضي الله عنه، فمن يطلب الحق قد يصيبه وقد لا يصيبه، أما من أدركه فقد حقق المطلوب؛ لأن لكل فعل قوانينه من أقامها ووفرها مرشح للفوز، بينما من لم يقمها ولم يوفرها، لا حظ له في الفوز، مثل المعرفة والخبرة، لا يعقل أن يتصور النجاح والفوز لمن يمارس نشاط لا يملك فيه معرفة وخبرة…، وقضية الشروط والموانع كما أسلفنا، حيث أن لكل فعل شروط ينبغي توفرها، وموانع يجب انتفاؤها، فإذا توفرت الشروط وبقيت الموانع، لا يمكن أن يتحقق الفعل، وكذلك إذا انتفت الموانع وتوفرت الشروط لا يتحقق الفعل، وربما تحقق بعضه، ولكن لا يكون كاملا، واستعجال نتائج الأنشطة قبل بلوغها المنتهى المطلوب، حيث أن لكل فعل عمر زمني معين، مثل الكائنات الحية تماما، فالإنسان مثلا تحمله أمه تسعة أشهر كاملة ليولد طفلا، ثم يمر بمراحل كثيرة، مرحلة الطفولة سنوات ومرحلة الشباب سنوات…إلخ، وكذلك أفعالنا التي نريد تحقيقها في الواقع، لها مدد زمنية لتنضج ولها أعمار محددة لتموت بعد ذلك؛ بل ليس كل فوز قابل للخلود إن لم تتوفر شروط استمراره وبقائه.

وهذه القوانين منها ما هو متعلق بالممارسة نفسها، ومنها ما يتعلق بطبيعة النشاط في ذاته، ومنها ما هو متعلق بالواقع المنفصل عن الممارسة وعن النشاط، ولكل جانب من هذه الجوانب طبيعته وخصائصه وضوابطه وآلياته واعماره الزمنية، بحيث لا يمكن تجاهل هذه الجوانب وإلا استحالت النتائج المرضية التي يتطلع إليها كل مناضل.

لا شك أن نوايا الناس وتضحياتهم لها وزنها في الممارسة السياسية والنضال عموما، ولكن النوايا والتضحيات شيء، وإدراك الحقائق والاتثمار فيها شيء آخر… هل يمكن ان نسمي من يحرث في الماء مزارعا؟

صحيح أن الطغيان والاستبداد والفساد السياسي، يجعل من المتحرق على الأوضاع في الأمة والمناضل الصادق، يفكر في كل شيء يزيح هذا الطغيان والاستبداد، ويعمل بكل قوة من أجل القضاء على الفساد السياسي؛ بل يضحي بنفسه في سبيل ذلك، ويستقبل السجن والتعذيب والقتل والإغتيال بصدر رحب ضريبة لنعتاق المجتمعات المغبونة، ولكن لا يعطي كبير اهتمام للبحث في الأسباب التي جعلت من هذا الطغيان والاستبداد يتنمر وسمحت للفساد بالانتشار، ليزيلها فيزول ما ترتب عنها تلقائيا؛ لأن الأسباب إذا كثرت لا يمكن أن تكون في جهة واحدة؛ بل تكون موزعة على جميع فئات المجتمع بنسب متفاوتة، ومن ثم فإن القضاء على كل فساد سياسي مستشري ومتحكم، يصعب حصره في جهة بمعزل عن باقي جهات المجتمع (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) [الأنعام 65]، قال عبد الله بن عباس “فأما العذاب من فوقكم فأئمة السوء، ومن تحت أرجلكم فخدم السوء، أو قال عذابا من فوقكم يعني: أمراءكم أو من تحت أرجلكم يعني: عبيدكم وسفلتكم” [تفسير ابن كثير].

ورغم أن ثقافتنا السياسية السائدة “أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، وصحيح من جانب الهيئات التنفيذية، ولكن ذلك لا يتحقق إن لم يكن هناك اسنعداد اجتماعي لقبول التنفيذ فيه وهنا تبرز أهمية “كما تكونوا يولى عليكم”، بحيث لا يأتيكم شيء من خارج قافتكم ومستوى أخلاقكم ودرجة وعيكم…

وهذا لا يعني الإبقاء على الموضوع مراوحا مكانه، “تغير الفوق أم التحت؟”، وإنما لا بد من الخروج من هذه الدائرة الضيقة إلى رحابة الجد الذي يعطي للإعداد قيمته المادية كما أعطاها قيمتها المعنوية… فمثلما نتساءل لماذا لا نضحي خدمة للأمة؟ ينبغي أن يتساءل بنفس المستوى والقوة والصدق: لماذا نضحي ولا ننتصر؟ لأن التفريق بين مستوى التضحية وحجم ثمارها، كالتفريق بين المرء وزوجه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!