-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“المهاجر من هجر ما نهاه الله عنه”

أبو جرة سلطاني
  • 1127
  • 3
“المهاجر من هجر ما نهاه الله عنه”

اليوم، هو آخر يوم في آخر شهر من ذي الحجة، في آخر عام 1442 للهجرة.. وكان كثير منا – قبل 360 يوم- يتحدثون عن عام مضى وقبله مضى عام وعام.. ويتطلعون إلى رؤية عام مقبل يمنون فيه أنفسهم بتغيير أحوالهم إلى الأفضل. ويتأهّبون لخلع الأحزان والأوجاع والأوزار القديمة ليدلفوا إلى عام جديد بروح جديد وبأشواق جديدة وعهد متجدد مع الله ثم مع أنفسهم يجددون به حياتهم بحلول العام الجديد. وجاء العام وتوالت أيامه وأسابيعه وشهوره.. وانتهى ولم يتجدد فيهم سوى الثوب والطعام والكلام..!!

قبل عام مضى كنا نمني أنفسنا بأننا سنكون أفضل مما كنا عليه. وستكون حياتنا أمتع وأسعد. وسيكون غدنا أجمل وأروع.. وسنسامح من أخطأ في حقنا وسنتغاضى عمن أساء معنا الأدب والصحبة والجيرة والمعاملة.. وأعان علينا شياطين الإنس والجن..!! وقال فينا ما ليس له به علم..!!

ومضى عام ولم يتغير فينا شيء.. لم نغير شيئا من أخلاقنا. ولم ننتقل بعزائم الإيمان من “نادي الصغار” الهواة إلى “نادي الكبار” الذين خلقوا ليغيروا ما بأنفسهم. ويسعون لتغيير ما حولهم.. وظللنا نكرر أخطاءنا القديمة، ونستنسخ ماضينا الطفولي، ونمارس “صبيانياتنا” بسذاجة، ونهتم بتفاصيل ما يحزن لفقدانه كل مراهق.. ولم نزرع من الفسائل سوى ما يثمر الحسرة والندم..!! وبكلمة مختصرة:

 – كبرت سنّنا ولم تكبر عقولنا.

 – تقدم بنا العمر ولم نتقدم نحو مرضاة ربنا.

 – بدلنا ملابسنا وأكلنا وشربنا.. ولم نبدل طبائعنا.

 – هجرنا نوادينا القديمة ولم نهجر ذنوبنا ومعاصينا.

 – استسلمنا لواقعنا المليء بالضغائن والإحن والأحقاد.. ولم يسلم كثير من الناس من ألسنتنا ولا من أيدينا..

مضى عام هجري وصار قديما. وقبله عام وأعوام وتقدم بنا العمر.. وغدا يهل علينا هلال أول محرم من سنة 1443 من الهجرة. ونحن مازلنا صغارا نهتم بكل شأن حقير. مازلنا صغار العقول والنفوس والهمم والأشواق.. مازلنا نلوك نفس الكلمات التي أثبتت الأيام زيفها وبطلانها. ومازلنا نتبادل نفس التهم. ونتقاذف بالإثم والعدوان.. وكأننا خلقنا لمراقبة من يخطئ لنشمت به. ومن يسقط لنتلذذ بسقوطه. ومن يتألم لنتمنى له مزيدا من الأوجاع..!! وما لهذا خلقنا. وقد رأينا أقواما راقبوا الناس كثيرا وماتوا مهمومين فلم يترحم عليهم أحد. وأقواما آخرين كانوا يتمنون الخير لكل متحرك فوق هذه الأرض، فعاشوا بقلوب سليمة، ولما ماتوا بكت عليهم السماء والأرض. وتركوا فراغا في قلوب كثير ممن يعرفون أقدارهم ويعلمون أن الإنسان بأصغريه: قلبه ولسانه؛ قلبه مع الله.. ولسانه مع الناس. والبقية لحم ودم وتراب. وهي بديهية أدركها من لم يعرفوا الإسلام. وذهل عن إدراكها كثير من بني قومي. عرفها شاعر جاهلي يسمى زهير بن أبي سلمى فقال:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده. * فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.

 فما أنت سوى بأصغريك: قلبك الذي تخفي فيه ما الله به عليم. ولسانك الذي تحصد به خيرا يبقى أو شرا تقدمه بين يدي ربك يوم الحساب.

 جدد حياتك بحلول العام الحديد. وقد اختزل لك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الطريق في ثلاث جمل مفيدة. روى الشيخان عن عبد الله بن عمر أنه قال: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. والمهاجر من هجر ما نهاه الله عنه”. وفي رواية زيادة: “والمؤمن من أمن الناس بوائقه”.

 قلت: مرحبا بالعام الهجري الجديد. وهنيئا لمن هو عازم على تغيير ما بنفسه من سوء ليعيش مراقبا ربه بدل مراقبه الناس. فالنّفس أمارة بالسوء، إذا لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. ورأس الباطل سوء الظن بالناس. وقبح الخلق. وسواد النية. وفساد الطوية.. فلا ينفعك تبديل أثوابك القديمة بأثواب جديدة في عام جديد إذا كان ما تحتها لوثات أيام؛ فالرجل بقلبه وعمله. وليس بوظيفته وماله وقدرته على البطش بعدوه والتنكيل بالمستضعفين. والبطل من صرع نفسه وكفها عن هواها، وليس من هتك وفتك وفتق وما رتق..

فليس من يصرع قرنا بطلا. * إنما من يتق الله البطل.

كما قالها ابن الوردي.

وليس الجمال بأثواب تزيننا. * إن الجمال جمال العلم والأدب. كما دوّنها الإمام علي (رضي الله عنه).

وما لنا نذهب بعيدا وبين أيدينا كتاب الله (جل جلاله) يقرر لنا أن الفائز بنعيم الدارين هو صاحب القلب السليم: فهو في دنياه مطمئن بذكر ربه لا يهمه ما صنع الناس. وفي أخراه مقبل على ربه بقلب سلم من الحقد والحسد والشحناء والبغضاء وسوء الظن.. وسلم من الشك والشرك والرياء وحب الظهور..

فاللهم لا تخزنا في الدنيا بالانشغال بعورات الناس وأنت الستار. ولا تخزنا يوم يبعثون بخواء قلوبنا من حبك وحب من يحلك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك. وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وسلم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • ابن تومرت

    بارك الله تعالى فيكم ونفع بكم على هذا المقال القيم الذي نحن بأمس الحاجة إليه لتجديد العهد مع الله سبحانه و تعالى وإصلاح ما اعوج من أخلاقنا.. أللهم أصلح احوالنا ورقي أخلاقنا... وشكرا مرة ثانية للشيخ أبو جرة... محبكم من الايام الخوالي للدعوة والصحوة..

  • kri you

    سبحان الله

  • كلمة حق،

    "فليس من يصرع قرنا بطلا. * إنما من يتق الله البطل". هل فعلا قال ابن الوردي هذا. بل اظنه قال: ليس من يقطع طرقا بطلا .. إنما من يتقي الله البطل.