-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“المهراز”، الذراع اليمنى للمرأة

عمار يزلي
  • 372
  • 0
“المهراز”، الذراع اليمنى للمرأة

في رمضان، وفي العيدين، وفي كل المناسبات، يكثر الطلب على الجيد من الاستهلاك الغذائي.. ويكثر الإقبال على الطبخ والمطبخ.. وهذا منذ القدم.. منذ أن كان المهراس سيد المطبخ بلا منازع.

كان المهراس ولا يزال، إحدى أهم الآلات التي لا يمكن لمطبخ بيت أن يسير من دونه، ولا بيت بغير وجوده، إذ لا تكاد أسرة أو عائلة لا تحتفظ بمهراس أو أكثر في البيت، لما له من وظائف عدة.

المهراس، وإن كانت وظائفه غير مرتبطة بجنس معين، ولا بثقافة محددة، ولا بوظيفة واحدة، إلا أنه ارتبط مع الزمن بالمرأة، لكونها هي من تتكلف بأمور البيت، من طبخ وتحضير وطحن وغربلة ودق وهرس توابل وقهوة وبقول.. لصنع أطباق الطعام المختلفة.

فالعمل المنزلي في المجتمعات الزراعية، وحتى الحضرية، كان خاصا بالمرأة الماكثة في البيت، تستعمله في تحضير الدقيق أو البهارات، جنبا إلى جنب مع الرحى الحجرية وأدوات طبخ أخرى. بناء على ذلك، كان يتواجد لدى العائلات على الأقل نوعان من المهاريس: مهراس خاص بالقهوة، وكل ما يدخل ضمن صناعة القهوة من بهارات وتوابل، فيما يخصص آخر للتوابل والبهارات، حتى لا تختلط الروائح والنكهات والمذاق.

كما أن المهراس صارت له وظيفة أخرى دفاعية، خاصة في المدن، أيام الثورة، وحتى ما قبلها. فهو سلاح في يد المرأة، استعمل كسلاح فردي منزلي لدى المرأة، مثل استعمال “قوارير” الزجاج، للدفاع عن النفس، أو حتى الهجوم ضد المعتدي. نشير هنا، كشهود عيان، إلى أننا شاهدنا، ونحن أطفال، خلال الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار في الجزائر، في 19 مارس 1962، كيف أن خبرا شاع وانتشر ـ اتضح في ما بعد أنه لم يكن صحيحاـ باعتبار أن أضواء السيارات والشاحنات المتلاحقة، التي رآها سكان “بوطرق” ـ تلمسان، قادمة من طريق “تاوية”، خلال تلك الأيام المرعبة من انتقام “اليد الحمراء” (OAS)، المتمثلة في العصابات الإجرامية الرافضة للاستقلال، لم تكن

سيارات العصابة الدموية، بل شاحنات عسكرية، لفرض وقف إطلاق النار. أمام انتشار الخبر وسرعته، خرج الجميع لمواجهة العصابة، رجالا ونساء. وقد شاهدنا بأم أعيننا عجائز ونساء يغلقن على أطفالهن في البيوت.. وكان اليوم يوم عيد الأضحى، وخرجوا لملاقاة “الجماعة” الدموية، بكل ما أوتوا من قوة وسلاح: النساء كن يحملن قوارير زجاجية، وأحيانا أيادي المهاريس.

وهذا أيضا، ما تجسد خلال ثورة التحرير، وخاصة في حي “القصبة” العتيق بالعاصمة، حيث جسد ذلك المخرج الجزائري، الراحل عمار العسكري، في مشاهد من تلك الطقوس الثورية، في فيلمه “أبواب الصمت”، سنة 1987، بالقصبة العتيقة.. الحي الذي يرمز إلى المقاومة المسلحة الحضرية، ضد الاستعمار الفرنسي. فقد كانت النساء يعمدن إلى قرع المهاريس، كفعل أو رد فعل “نواقيس” الكنائس الجنائزية، حدادا على موت فرنسيين بالعاصمة، فكان يقابل صوت نواقيس الكنائيس بصوت قراع المهاريس..

وإلى اليوم، لا تزال القصبة وباب الواد، تتذكران ذلك الزمن، الذي كان ولا يزال المهراس يمثل فيه للمرأة ذراعها اليمنى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!