إدارة الموقع

المواهب… تنتظر الرعاية!!

المواهب… تنتظر الرعاية!!
أرشيف

قبل نحو 12 سنة وضعت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع وثيقة بالغة الأهمية تحت عنوان “الإستراتيجية العربية للموهبة والإبداع في التعليم العام”. وقد جاءت هذه الوثيقة -التي ذكّرنا بها، مشكورًا، الدكتور منصور الغامدي، المستشار بالمركز الوطني للقياس في المملكة السعودية- جاءت في كتيّب ثري يتألّف من 125 صفحة.

وماذا عن الإستراتيجية العربية؟

يبدو لنا أن هذه الوثيقة مرّت مرور الكرام في جلّ الدول العربية، ومنها بوجه خاص، الجزائر. ذلك أن هذا الكتيّب قد رسم الخطط لبلوغ الهدف المنشود… ولو اتُّبعت الإستراتيجية المرسومة منذ صدورها (2008) لشهدنا في العالم العربي قفزة في رعاية المواهب ولانْعَكس ذلك على مجتمعنا بشكل لا يخفى على الملاحظين. ولسوء الحظ فإن هذا لم يحدث… والدليل أننا لازلنا قابعين في المربع الأول، ولم نر بالعين المجرّدة بوادره ولا ثماره.

نشير إلى أن هذه الإستراتيجية العربية قد تمّ إقرارها من قبل المؤتمر العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس، وذلك خلال الدورة المنعقدة من 18 إلى 20 ديسمبر 2008. ونقرأ في مطلع ديباجتها أن الموهوبين والمبدعين يُعَدّون في “أي أمة أغلى ما تمتلكه من ثروات. ولهذا تُعنى الأمم الحيّة بالاستثمار في مناجم العقول بحثًا عن القدرات الإبداعية بغية اكتشافها ورعايتها وتنميتها والارتقاء بها إلى أقصى ما تستطيع الوصول إليه”.

ثم يسترسل التصدير في وصف واقع التنافس بين الدول موضحًا أنه أصبح تنافسًا “في مجال العلم والمعرفة انطلاقا من أن المعرفة قوة، وأن الإنسان العارف هو أهم مكوِّن في معادلة التنمية، وأن الأمة العارفة هي الأمة القوية. ولم تعد قوة الأمم وعظمتها تُقاس بعدد السكان والمساحات الشاسعة ووفرة الموارد والثروات الطبيعية فقط، وإنما تُقاس بما لديها من عقول مبدعة تكتشف المعرفة وتنمّيها وتحوّلها إلى وسائل وأساليب تقنية تسيطر على حركة الحياة والأحياء”.

 وتلفت الوثيقة الأنظار إلى عيوب في أساليب تحديد المدرّسين والأولياء للمواهب وإدراك مكاسبهم التي لها صلة بخصائص الموهبة. ومما لا شك فيه أن مهارة المعلم هي أفضل وسيلة في تحسين أداء التلميذ. ويتأسف أصحاب الوثيقة لكون هذه المهارة مفقودة في أغلب نظمنا التربوية. ومن هنا وجب تكوين المدرّس الكفء -الذي ستوكل إليه مهمة تعليم التلاميذ الموهوبين- وذلك لجعله يكتسب عدة مهارات، منها : الخصائص المهنية المحضة، والصفات الشخصية والأخلاقية، والإلمام بأساليب القياس والتقويم والتوجيه، والإلمام بأساليب البحث العلمي.

ونجد في ملاحق الكتيّب نماذج لـ 14 بلدا تظهر كيفية رعاية الموهوبين والمبدعين. وهذه البلدان هي : الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وروسيا وألمانيا وسويسرا ونيوزلندا وتشيكيا وسلوفاكيا وفنزويلا والصين وكندا وكوريا الجنوبية وبولندا. وتركّز الوثيقة على تحديد كيفيات كشف المواهب وأساليب الرعاية ونوع مؤسسات رعاية المواهب ودورها.

الذكاء… ذكاءات

من المعلوم أن الموهبة عُرّفت عند الكثيرين خلال القرن الماضي على أنها مفهوم أحادي البعد، وكانت نسبة الذكاء أكثر الوسائل المستخدمة لتحديد هذا البعد. وساد الاعتقاد بأن نسبة الذكاء تمثّل مقياسا جيّدا للموهبة… غير أن الذكاء ذكاءات :

فهناك الذكاء الرياضي والمنطقي ذو العلاقة بالتميّز في الرياضيات والعلوم الأساسية. ذلك أن الأفراد الموهوبين في هذا المجال يتمتعون بقدرة خاصة على إيجاد العلاقة بين الأسباب ونتائجها ورغبة كبيرة في تنفيذ التجارب العملية. وثمة الذكاء اللغوي أو اللفظي الذي يظهر في القدرة على استخدام المفردات اللغوية وعلى الإقناع والمناظرة ورواية القصص ونظم الشعر والكتابة.

وهناك الذكاء “التصوّري” الذي يركز على المشاهد خلال الحديث اللفظي وفي النص المكتوب فيستطيع تحويل كل ذلك إلى صوَر مرئية. وثمة أيضا الذكاء التناغمي (الموسيقي) الذي يركز على الصوت والذكاء الجسدي (الحركي)، والذكاء النفسي الداخلي، والذكاء الطبيعي (الذي يُعنى بالتعامل مع المخلوقات الحيّة)؛ وهذا فضلا عن الذكاء الاجتماعي الذي يتضمن قدرات على فهم طباع الآخرين والتعايش معهم…

ومن ثمّ، وجب إيجاد وسائل قياس كل هذه الذكاءات عند الأطفال والتلاميذ والكشف عن نوع الذكاء الذي يتميّز به كل منهم وتنميته على مرّ السنين!

من توصيات الوثيقة

– وضع خطة وطنية لرعاية المواهب ضمن البرامج التنموية الشاملة، وكذا الخاصة بالتربية والتعليم.

– وجوب قيام وزارة التربية بنشر ثقافة الموهبة والإبداع في قطاعات المجتمع العديدة مع التركيز على الأسر والأمهات والتنسيق مع وسائل الإعلام.

– قيام مؤسسات التعليم بعقد شراكات مع القطاع الخاص من أجل تمويل برامج مشتركة لرعاية المواهب.

– قيام وزارة التعليم العالي بتدريب المدرّسين على التعامل مع المواهب.

– قيام وزارة التربية بتحديد الكفاءات المهنية لمعلمي الموهوبين وتدريبهم أثناء الخدمة واستحداث حوافز لهم.

– قيام وزارة التربية بتنفيذ برامج وطنية للكشف المبكّر عن الموهوبين والمبدعين.

– توفير المناخ التربوي المناسب والوسائل وتقنيات التعليم، وكذا توفير الموارد البشرية القديرة في المجال التعليمي والإداري.

في الجزائر

يمكن التأكيد بأن الساسة في الجزائر لم يكونوا في يوم من الأيام جادّين في الاهتمام بالنخبة ورعايتها، ولم يضعوا إستراتيجية قصيرة أو طويلة المدى للتكفل بها بشكل سليم. ولعلّ ما يستوجب الذكر في هذا الباب أن وزير التربية بوبكر بن بوزيد كان قد بادر إلى فتح أول ثانوية امتياز في البلاد، سمّاها ثانوية الرياضيات، عام 2012، وتباهي بها، ووصفها بأنها الوحيدة في القارة الإفريقية. وهي لازالت تواصل مهمتها رغم كثير من محاولات تحويلها عن وجهتها الأصلية. والمؤسف في هذا المشروع أنه لم يضع المخططات لرعاية خريجي هذه الثانوية إذ يُتركون وحالهم بعد التخرج، رغم تفوقهم، فصاروا مثل خريجي أي ثانوية أخرى يهيمون في الجامعات والمدارس العليا، ويغادرون البلاد كلما أتيحت لهم الفرصة.

وفي الآونة الأخيرة لاح أمل في وزارة التربية حيث بدأت تضع خطة لمرافقة المواهب والكشف عنهم في وقت مبكّر. كما أن وزارة التعليم العالي على وشك فتح مدارس للنخبة، مثل المدرسة العليا للرياضيات والمدرسة العليا للذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك يبقى التنسيق بين أجهزة الدولة المختلفة واجبًا وطنيًا إذا ما أردنا  أن يأتي هذا الاهتمام بأُكله، وحريّ بهذه الأجهزة أن تستأنس بالاستراتيجية العربية الصادرة عام 2008 وأمثالها في البلاد المتقدمة. وبدون ذلك، سيكون مثل هذا التخطيط مرتبطًا بأشخاص إذا ما ذهبوا ذهبت مشاريعهم في مهبّ الريح.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • محمد

    جميل أن يحلم الإنسان بما يهوى العقل والطموح العالي المنال.لكن من الواجب على أي عاقل أن يفحص واقع محيطه القريب.كلنا يريد تشجيع المواهب لكن كيف؟ومن يدرك وجودها؟لقد كررنا ولم يصغ إلى نصيحتنا الأساسية وهي اختيار المربين وتكوينهم علميا وبيداغوجيا ليكونوا العنصر الأساسي في تعليم أبنائنا وفق مخططات تنشؤها هيئة رسمية لها القدرة على التفكير والبرمجة والمتابعة والتقويم لرسم سياسة الدولة على المدى البعيد دون ارتجال أو ديماغوجية مثلما فعل بن بوزيد المعروف بوزير التهريج بينما لم يذكر علي بن محمد الذي تكتلت ضده الأيدي المعطلة لكل تقدم حضاري.هل وضعية الجزائر الحالية اختارت النجومية أم حقا تحضر لترقية المواهب

  • kabir hacina

    ليتنا نحصل علئ هذا الكتيب فنستفيد منه و نفيد.