-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المولد النبوي ومعالم الفقه الحضاري في السُّنة

ناصر حمدادوش
  • 1244
  • 0
المولد النبوي ومعالم الفقه الحضاري في السُّنة

يعود الجدلُ المتجدِّد حول “الاحتفال بالمولد النبوي” في كلِّ سنة، وهو من المسائل الخلافية التي يتعذَّر فيها رفعُ الخلاف، مما يفرِض تجنُّب القَطع والإنكار في المسائل الاجتهادية، وأنَّ الاطلاع على اختلاف العلماء، والتسليم بإمكانية تعدُّد الصَّواب، يثمر التحرُّر من التعصُّب للعلماء والآراء والمذاهب والجماعات، والبُعد عن الجدال والخصومة، وأدب احترام الرَّأي الآخر، فنتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذُر بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.

بالعودة إلى “الاحتفال بالمولد النبوي” نجد ذلك الفقه الحضاري، وذلك العمق المقاصدي في الاحتفال به في قول شيخ الإسلام “ابن تيمية”(ت: 728هـ) في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم” (ج 1، ص 126): “فتعظيم المولد واتخاذه موْسِمًا قد يفعله بعضُ الناس ويكون له فيه أجرٌ عظيمٌ لحُسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم..”.

قد يغرق البعض في هذا الجدال العقيم الذي يفرِّق ولا يجمع، ويتيه البعض في الاحتفال بالطقوس والأشكال والمظاهر، ولا يهتم بالسُّنة إلا في فضائل الأعمال، وتغيب عنَّا الأبعاد الكبرى في الاقتداء بالحبيب المصطفى عليه الصَّلاة والسلام، وهو ما يدفعنا إلى الحديث عن معالم الفقه الحضاري في السُّنة النبوية الشريفة. وقد نبَّه العلامة “يوسف القرضاوي” – عليه رحمة الله في كتابه: “السُّنة مصدرٌ للمعرفة والحضارة” إلى أنَّ “السُّنة” مصدرٌ للعلوم الدينية كما هي مصدرٌ للعلوم الإنسانية، ثم تحدَّث عن السُّنة كمصدرٍ للحضارة، فتحدَّث عن الفقه الحضاري في السُّنة، وقد أوضح ملامح هذا “الفقه الحضاري” فيها في المعالم التالية:

1/ فقه السُّنن:

وليس المقصود بالسُّنن هنا ما تعارف عليه أهل الأصول في مفهوم “السُّنة”، والتي عرَّفوها بقولهم: “هو ما طلب الشَّارع فعله من غير إلزامٍ، بحيث يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها”، ولكنَّ المقصود بهذه السُّنن: النواميس والقوانين الإلهية الثابتة والمطَّردة في الكون والمجتمع، والتي لا يعرف حقيقتها إلا أهل العقل والحكمة، وهي السُّنن المنصوص عليها في مثل قوله تعالى: “فلن تجد لسنَّت الله تبديلاً، ولن تجد لسنت الله تحويلاً”(فاطر:43)، ويعتقد البعض أنَّ “السُّنة النبوية” لا تشتمل إلاَّ على الفقه التشريعي (الشَّعائر التعبُّدية)، ولا تشتمل على أنواعٍ أخرى من الفقه، ومنها: الفقه الحضاري، وهي نظرةٌ قاصرةٌ للسُّنة النبوية، فالمستقرئ للأحاديث النبوية الشَّريفة يجد فيها فِقهًا ثَريًّا ومصدرًا غنيًّا بذلك، فقد مات للنبي صلى الله عليه وسلم ابنُه إبراهيم، وانكسفت الشَّمس في ذلك اليوم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، وهي لا تنكسف إلا لعظيم، فقال: “أيها الناس، إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته”، وهو بذلك يقف في وجه الخرافة والدَّجل، وينفي عنه وعن أسرته ما يضفي عليهم من العقائد الباطلة، ومن مظاهر القداسة الزائفة

ومن هذه السُّنن الحضارية النبوية: أنَّ انهيار القيم السِّياسية والأخلاقية سببٌ في تدمير الشُّعوب وانهيار الدول، وأنَّ الظلم والفساد والاستبداد مُؤْذِنٌ بخراب العمران وسقوط الحضارات، وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: متى السَّاعة؟ قال: “إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر السَّاعة، قيل: وكيف إضاعتها؟قال: “إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر السَّاعة”، وليس المقصود بها: السَّاعة العامَّة بنهاية العالم فقط، بل قد تكون السَّاعة الخاصَّة بكلِّ أمَّة، بانهيارها وسقوطها وظهور الاضطرابات وعدم الاستقرار فيها.

والأحاديث في “فقه السُّنن الحضارية” كثيرةٌ في قانون السَّببية التي تربط بين المعاصي والمنكرات وبين آثارها المدمِّرة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسِّياسية للأفراد والدول والحضارات، وأنَّ تعطيل سُنَّة التدافع وغياب ضرورة المعارضة سببٌ في تعميم العقوبة الإلهية لعموم المسؤولية السِّياسية والأخلاقية، فقال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيِّرونه أوشك الله أن يعمَّهم بعقابه”.

2/ فقه المعرفة:

والمقصود بهذا الفقه أن تصل الأمة بعلمائها إلى درجة الاجتهاد في الدِّين والابتكار في الدنيا، وهو الفقه المؤسَّس على القيم والأصول التي جاءت بها السُّنة النبوية في تأصيل المعرفة، وصناعة العقلية العلمية والموضوعية، وبناء الفكر الحضاري الرَّصين، كرفض التقليد الأعمى في قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تكونوا إمَّعة تقولون: إنْ أحسن الناس أحسنَّا، وإنْ أساؤوا أسأنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم..”، وألا يقْفُ المرءُ ما ليس له به علم، كقوله صلى الله عليه وسلم عن السَّاعة: “ما المسؤول عنها بأعلم من السَّائل”، والحوار مع الآخر والإنصاف للمخالف، وقد قال الله تعالى على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم وهو يحاور المشركين: “وإنَّا أو إيَّاكم لعَلَى هدًى أو في ضلالٍ مبين”(سبأ:24).

3/ فقه الحياة:

والمقصود بهذا الفقه هو المعرفة اليقينية العلمية والعملية بقيمة الحياة وقدسيتها، ووجوب الأمل والإيجابية فيها، فقد اعتقد البعض أنَّ الدِّين لا يعطي للدنيا أهمية، وقد يستدلون بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: “ما الدُّنيا من الآخرة إلا كمَن يضع أصبعه في اليمِّ (البحر) فلينظر بما يرجع”، وهو صحيحٌ في المقارنة بين الدنيا والآخرة، ولكنه لا يعني إهمالها، وعدم الاهتمام بها، والتفريط في النجاح فيها، وقد شرَّع النبي صلى الله عليه وسلم العقيقة فرحًا بنعمة الولد والاحتفال بقدومه إلى الحياة، فهي نعمةٌ يجب أن تُذكر فتُشكر، وقد قال: “مَن قَتَل نفسه بشيءٍ في الدُّنيا عُذِّب به يوم القيامة”، لأنَّه اعتداءٌ على الحقِّ في الحياة، بل اعتبر طول العمر من أعظم النِّعم إنْ كان مؤسَّسًا على “فقه الحياة”، وقد سُئل: أيُّ الناس خير؟ فقال: “مَن طال عمرُه، وحسُن عملُه”، وجعل امتداد العمر من أعظم الجزاء على السُّلوك الحضاري، فقال صلى الله عليه وسلم:”مَن سرَّه أنْ يُمدَّ له في عمره، ويُزاد له في رزقه، فليَبَرَّ وَالِديْه وليَصِل رَحِمَه”.

4/ فقه المقاصد الشَّرعية:

وهو الانتقال من الفقه التقليدي الذي يتوقَّف عند الجزئيات الفرعية إلى الفقه الحضاري بمعرفة مقاصد الشريعة الكلية وأسرارها الحقيقية، وقد أكَّدت السُّنة أن صور الشَّعائر التعبُّدية لا قيمة لها دون تحقيق مقاصدها الاجتماعية وثمراتها الأخلاقية ونتائجها الحضارية، كما قال صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاة مثلاً: “مَن لم تنهَهُ صلاتُه عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له”، وقال عن الصِّيام: “مَن لم يدَع قول الزُّور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أنْ يدَعَ طعامه وشرَابه”، وهو ربطٌ بين “العبادة” وبين ثمرتها المقاصدية الأخلاقية.

لقد اتَّجه العقل المقاصدي سابقًا إلى التركيز على فقه المقاصد التشريعية، وهي التي تعنِي: الغايات والأهداف والعِلل والمعاني والمصالح التي شُرِّعت من أجلها الأحكام الشرعية في مجال العبادات والمعاملات، فأخذت بُعداً فقهياً تفصيليًا، وهي بذلك تختزل الشريعة اختزالاً مُخِلاًّ في الأحكام الفقهية فيما يتعلق بالمكلَّف كفرد، ولم تستوعب كلَّ جوانبها العظيمة: الحضارية والمعرفية، وما يتعلق بالمكلَّف فيها كمجتمعٍ ودولةٍ وأمَّة، والمسؤوليات الجماعية في التغيير والتمكين كجماعاتٍ ومؤسَّسات.

5/ فقه مكارم الشريعة:

وقد ميَّز الإمام الرَّاغب الأصبهاني (توفي: 502هـ) في كتابه: “الذَّريعة إلى مكارم الشَّريعة” بين أحكام الشَّريعة التي يهتمُّ بها الفقهاء، وبين مكارم الشَّريعة التي يهتمُّ بها الحكماء، وهي: القيم والأخلاق، وهو بذلك يؤصِّل للنظرية الأخلاقية عند المسلمين، وأنَّ البطولة الحقيقة في التديُّن الصحيح هي في تديُّن المعاملات وليست في مجرَّد تديُّن العبادات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “الدِّين المعاملة”، ولخَّص جوهر رسالته في قوله: “إنما بُعثتُ لأتمِّم مكارم الأخلاق”، ورأينا بأنَّ الحكمة من تشريع العبادات هي تحقيق المقاصد الأخلاقية في التعامل مع الآخر، وليست مجرد تحقيق المقاصد الرُّوحية في التعامل مع الذَّات.

وبالعودة إلى “الاحتفال بالمولد النبوي” نجد ذلك الفقه الحضاري، وذلك العمق المقاصدي في الاحتفال به في قول شيخ الإسلام “ابن تيمية”(ت: 728هـ) في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم” (ج 1، ص 126): “فتعظيم المولد واتخاذه موْسِمًا قد يفعله بعضُ الناس ويكون له فيه أجرٌ عظيمٌ لحُسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم..”، ويقول الإمام السُّيوطي (ت:911هـ) في كتابه”الحاوي للفتاوي” (ج 1، ص 182) في باب: حُسن المقصد في عمل المولد: “وهو من البِدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبُها لما فيه من تعظيم قَدْر النبي صلى الله عليه وسلَّم، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشَّريف”، وخطب الإمام محمد البشير الإبراهيمي (ت: 1965م) سنة 1952م، فقال: “أيها المسلمون.. قبل أن تقيموا حفلات المولد أقيموا معاني المولد، وتدرَّجوا من المولد المحمدي -الذي هو مولد رجل- إلى البعثة المحمدية التي هي مولد دينٍ نَسَخ الأديان، لأنه أكملُ الأديان، وهنالك تضعون أيديكم على الحقيقة التي تهديكم إليها هذه الذكرى.”(آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص 142)، وهو من الفقه الحضاري في التعاطي المقاصدي مع المولد النبوي الشريف.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!