-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

النجوم المُضِلّة

عمار يزلي
  • 969
  • 0
النجوم المُضِلّة

كان العرب، وغير العرب قديما، وحتى حديثا يستهدون بالنجوم في تنقلاتهم البرية، الصحراوية منها والبحرية، كونها تمثل نقط استدلال في السماء على اتجاه معين أثناء الإبحار أو المسير، ومنها النجم القطبي أو نجمة الراعي حسب التسميات.

النجوم في السماء يمكن الاستدلال بها بطريقة معلومة ومدروسة تفاديا للضلال، لأنها تبدو مستقرة لآلالف وملايين السنين رغم أنها لا تمثل إلا حالة ثبات في تحرك دائم، وهو ما يطلق عليه بـ”مواقع النجوم” التي وردت في القرآن الكريم. نحن نستدل في الواقع بمواقع النجوم التي تبدو لنا ثابتة، فما بالك بمن يستدل بـ”نجم” آفل، و”مذنَّب زائف”، و”قمر افتراضي” أبدعته أناملُ مبدعي العالم الافتراضي الحديث.

أقول هذا من باب الاستهلال، في ذكر زيف جانب من العالم الافتراضي المبنيِّ على “الحلم”، حلم اليقظة، وعلى الإنبهار حد التقديس، بمشاهير عالم افتراضي، بسماء زرقاء افتراضية أبدعها الإنسان “لحاجة في نفس يعقوب”، صارت بالنسبة لجيل وُلد ونما وترعرع في هذا الوجود الافتراضي، صارت هي الواقع الحقيقي. جيل، أول ما فتح عينيه، فتحهما على الهاتف الذكي والأنترنت وعالم سحري بدا له وكأنه، هذا هو العالم الحقيقي الذي ينبغي أن يعيشه وأنّ العالم الفيزيقي الذي نعيش فيه ما هو إلا سراب وجب الهروب والخروج منه إلى عالم أرحب، عالم المتعة التي لا تضاهى وعالم الألعاب والمال والفرح والتجوال والسياحة القصوى والمغارمات التي لا تعرف حدودا. الجيل الجديد، المغرَّر به من طرف صناع الحلم الزائف وأرباب المال والباحثين عن التشبُّع به بكل الطرق، هم من سحروا أعين الشباب واسترغبوهم بعدما جاءوهم بسحر عظيم. نحن الآن أمام هذه “النجومية” المصنّعة عالميا تبدو نتاج نجاح محلي، مجرَّد مسلوبين للإرادة، فاتحين أعيننا على مصراعيها على الفضاء الأزرق الافتراضي، دون أن تكون مفتّحة أبوابها، مشرعة نوافذها. إننا كمن يحلم ثم يستفيق يوما على واقع آخر.

نحن هنا، نعيش المثل الذي أعطاه أفلاطون حول الكهف وسكانه. سكان الكهف الذين لم يعرفوا الحقيقة الخارجية، لا يرون إلا الكائنات في الخارج تمرّ على فوهة الكهف مرتسمة ظلالها على جدران الكهف، ويعتقدون أن هذه الظِّلال، هي الحقيقة المطلقة. هذه الأشباح تبدو لهم هي الحقيقة، أما خارجها، فلا أحد يعلم أن هذه الكائنات هي حقيقية ولكن خارج الكهف. أفلاطون أراد بها مثلا، تفسير عالم المُثُل الذي هو الحقيقة المطلقة التي لا نراها نحن أهل الكهف. هذا المثل، يُطبَّق على أهل كهف القرن الـ21، من الجيل المستلب المنبهر بسحر الواقع الافتراضي الوهمي. هذا الوهم، يتحول لدى البعض وليس الكل، إلى هوس: هوس ومرض وإيمان مقلوب قاطع، بأن الخلاص يأتي من هذا العالم الافتراضي، فيلجأ إليه متضرِّعا ومتوسِّلا عساه يُخرجه من “الظلمات إلى النور”، مع أنّ العكس صحيح. يصبح الإقبال على الخروج من الواقع الاجتماعي الفيزيقي عبر الواقع الافتراضي كمثل ناقلة فضائية تنقل الراكب إلى خارج مجال الجاذبية الأرضية.

ضعُف الطالب والمطلوب: نجومٌ افتراضية صنعها الفضاء الافتراضي من العدم، بمستويات علمية وثقافية دنيا، صارت قدوة، تبحث عن الشهرة والثروة بأبسط الطرق وأقصرها، مستعملة كل الوسائل لنيل تعاطف وحب وصداقة الملايين بلا ثمن بحثا عن الثمن.. ثمن المشاهدات و”اللأيكات” التي تدرُّ عليهم أرباحا من دون عناء ولا تنقّل ولا عمل. هذه النجوم التي يُهتدى بها، تتحوّل تدريجيا لدى كوكبة من عُبّاد النجوم، إلى كواكب مؤثّرة فيهم، من دون معرفة نوع هذا التأثير واتجاهه: هل الاتجاه الذي يؤدي إلى العلم والمعرفة؟ أم الاتجاه المؤدي إلى العُمي والضلالة والسجن، وبئس القرار؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!