-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

النظام التربوي وتداعيات الجائحة

محمد بوخطة
  • 368
  • 0
النظام التربوي وتداعيات الجائحة
أرشيف

في دردشةٍ مع أحد الأصدقاء حول تداعيات الجائحة على النظام التربوي، ألحّ عليّ ببلورة بعض الأفكار التي تداولناها فكتبتها على عجل وتركتها لأعود إليها اليوم ببعض التصحيح والترتيب وأشارككم إياها :

إن الخطة التي تبنتها وزارة التربية الوطنية لاستئناف الدراسة في ظل الجائحة الصحية فتحت أعيناً على إمكانية إعادة النظر في النظام التربوي وفق معايير يمكن أن يكون لها أثرٌ بالغٌ في الارتقاء به شوطاً مهماً…

مع بدايات تطبيق هذه الخطة، ولو تجردنا ـجدلاًـ من الارتباط بالوضع الصحي واعتبرنا الخطة مجردة لأجل تحوير النظام التربوي، فإن ما يتبادر إلى الذهن مباشرة هو إيجابيتها واستحسان الأغلبية لها باستثناء بعض التذمُّر من بعض الأساتذة بخصوص استعمال الزمن، والذي يجب أن نبحث معالجته في جدِّية وهدوء، لما له من أثر على نفسية الأستاذ والتي تنعكس مباشرة على أدائه، وهو أمرٌ غير مستحيل إذا خلصت النيات وصدقت الجهود.
لقد تتابعت تجاربنا على نظامنا التربوي ولكنا لم نصل بها إلى تغيير ظاهر أو مؤثر، ولذلك فإنه من الضروري التوقف عن تكرار المكرر والذهاب إلى إستراتيجية مختلفة في التعامل مبنية على معايير مختلفة.
لقد بدا من خلال هذه الخطة أن العوامل المؤثرة في العملية التربوية، هي:

1 ـ الاكتظاظ، وما يخلفه من أثر نفسي على التلميذ أولاً، إذ يحشره في وسط متناقض من الصعب أن يخضع للمرافقة أو المتابعة، فيصبح التلميذ ذاته متلقيا ومصدِّرا في نفس الوقت، وهو ما يترتب عنه تفشي الآفات الاجتماعية المتنقلة بعيداً عن أعين الإدارة التربوية المنظمة والهادفة، في تنازع مع الوسط المستهدَف تربوياً فتنشأ مشكلاتٌ غير متوقعة ولا مستهدَفة بالعلاج ليرتبك الوسط التربوي بالجملة.

ثم على الأستاذ ثانياً: إذ أن التعامل مع الأعداد الكبيرة يشتِّت جهده ويقلل فاعليته، وقد يجعل عددا من المتمدرسين عنده خارج إطار تأثيره.

على العكس تماماً، فإن العدد القليل يمكّن الأستاذ من ممارسة إدارة جيدة للقسم في راحة تجعل أداءه أعمق وأشمل.

لقد استحسن كثيرٌ من الأساتذة التعامل مع أفواج تربوية قليلة العدد والتي فرضها الظرف الصحي إلى درجة أوحت لي بهذه المتابعة.

2 ـ سيترتب عن ذلك مباشرة أن فكرة بناء مؤسسات كبيرة بقدرة استيعاب مرتفعة فكرةٌ غير بناءة ولا مفيدة في النظام التربوي، بل الأفضل من ذلك اعتماد نمط بناء مختلف لا يتجاوز استيعابه ـ على سبيل المثال ـ 300 تلميذ، سيترتب عن ذلك تعدد المؤسسات التربوية وتوزعها على المناطق السكنية وسيكون لذلك أثرٌ إيجابي جداً على إدارة المورد البشري وتقريب المؤطر من مكان عمله وبالتالي تقصير مسارات العمل وتخفيف حركة النقل وتقليل الازدحام.

فضلا عن ذلك فإن صيانة المؤسسات الصغيرة والاعتناء بها والمحافظة عليها أيسر بكثير.

3 ـ العناية بالمرفق التربوي: إن نظافة المرفق التربوي والاعتناء به ليس مظهرا للرفاهية، ولكنه مقتضى المدنية وحتمية صحية وتربوية لا غنى عنها، حين يتمدرس التلميذ في مرفق لا يجد فيه ما يقيه الحرَّ ويحميه من البرد، بل لا يجد فيه مكانا نظيفا لائقا لقضاء حاجته الحيوية أو قد يضطر لحبسها طيلة زمن دوامه، في مثل هذا الحال لا يمكن على الإطلاق أن نتحدَّث عن أي هدف تربوي.

يُفترض أن يكون المرفق التربوي نموذجاً للمدنية يكتسب من خلاله التلميذ قيم النظافة والأناقة.

4 ـ إعادة بناء المناهج التربوية بفلسفة مختلفة بعيدا عن الحشو والتقليد، الطريف أنه كلما تعطلت السنة الدراسية خرجنا على الناس بسمفونيتنا المعتادة والتي تسميها “التدرُّجات” أو إعادة بناء التعلُّمات، مستميتين في ذلك لنُقنعهم بأن تنفيذ المناهج التربوية لن تتأثر غاياته بهذه الانقطاعات، واعتقادي أن هذا المسلك مجرد دجَل تربوي ولو افترضنا سلامته ـ جدلاًـ فلماذا تُحشى المناهج التربوية بما يمكن الاستغناء عنه؟ ولماذا يُثقل به كاهل المتمدرسين؟

إننا بحاجة ليس إلى مراجعة المناهج بل إلى إعادة بنائها وفق معايير وأهداف واضحة ودقيقة تركز على إكساب التلميذ المنهجية العلمية في اكتساب المعرفة والاستفادة منها وامتلاكه مفاتيح البحث عنها وتحصيلها.

5 ـ حسن إدارة الزمن التربوي: وهي إحدى معضلات المدرسة؛ فعلى سبيل المثال كنا نعتبر نظام الدوامين في حد ذاته مؤشراً سلبياً وبذلنا جهوداً في مواجهته، غير أن الظرف دلنا على أن استغلاله في حال عجز مرافق الاستقبال قد يكون مفيداً لتهوية الزمن التربوي وحسن استغلاله فلم يعد عيباً بذاته.

مجرد إشارات انتبهتُ إليها وأنا أتابع الوضع السائد وقد أعود إليه بتفصيل أكثر إذا سمح الوقت.
أتمنى أن تنتبه وزارة التربية إلى مثل هذه المؤشرات التربوية التي كشفها تعاملنا مع جائحة كورونا ويتدارسها إطاراتها في غرف المكاتب. قد تُتوَّج بعد ذلك في عمل منفتح على الفاعلين من الجماعة التربوية لتُبلور نهجاً جديداً جريئاً هادئاً في معالجة النظام التربوي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!