إدارة الموقع

النموذج الجزائري للتحوُّل

عمار يزلي
  • 1261
  • 2
النموذج الجزائري للتحوُّل

التحولات التي تحدث على المستويات المتعددة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، المرئية منها وغير المرئية، لا يمكن لأحد أن يدرك وقعها إلا بعد خمس سنوات إلى عشر على الأقلّ، ذلك أن سرعة التحوّلات، ومن فرط ثقل حمولة سنوات الإهمال، تبدو ثقيلة، مع أنها ليست كذلك، قياسا بما كان موجودا.

أن تعيد بناء اقتصاد متهالك، وتعيد النظر في ترسانة القوانين الناقصة والمائعة والسائبة وفي كل القطاعات، وتعيد ترتيب البيت الداخلي سياسيا وأمنيا واجتماعيا واقتصاديا، وتعيد ربط شبكة العلاقات الدولية وبدول الجوار وبالساحل الإفريقي وعمقه.. وفي ظرف أقلّ من سنة ونصف، مع كل المعوقات التي فرضتها الجائحة العالمية، هو أمرٌ استثنائي، يُحسب لرئيس الجمهورية وللحكومة ولرئيس الوزراء جراد.

في اللقاء الأخير الذي جمع رئيس الجمهورية مع رؤساء تحرير “الشروق” و”لكسبرسيون”، كان الرئيس واضحا في ما قال ويقول، وصارماً في ما سيفعل بعد المحاولات المتوالية لتعطيل حركية التغيير المنشود وضرب الجهد التنموي المتسارع وعرقلة المسار الجديد لتأسيس الجزائر الجديدة. كان دقيقا لمَّا أشار إلى أنه رغم الجائحة، فقد تمكنّا من تطوير صادراتنا بما يعادل ضِعف ما كانت عليه، وأننا قد نصل على الأقل إلى 4 مليارات دولار صادرات من غير المحروقات، بعدما كانت قبل ذلك أقل بقليل من 2 مليار دولار. كما أنه خلال الفترة نفسها، تمكنّا من تقليص فاتورة الاستيراد بـ10 مليارات دولار من غير خلق فراغ وندرة في السوق، وهذا يدلُّ على الصرامة في التعامل التجاري وضبط الاستيراد والفوترة وإعطاء أفضلية للمُنتَج الوطني على المستورَد، بما يوحي بأننا رغم شحِّ مداخيل النفط بسبب انهيار سعره إلى مستوى قياسي لم يسبق له مثيل، فإننا تمكنّا من تجاوز ذلك عبر التحكم في التسيير وتقوية الرقابة وعقلنة الاستيراد وضبط الأولويات. كل هذا في خضمِّ النشاط الاقتصادي الداخلي والتنمية المستمرة في مناطق الظل ومسار إصلاح الموارد التنموية وسبل تعزيزها وتطويرها من خلال مواصلة مشاريع دعم شق الطرقات في كل أرجاء البلاد من شمالها إلى جنوبها وصولا إلى تخوم الساحل الجنوبي مع دول الجوار، مع العمل على فتح مناطق تجارية حدودية للتبادل التجاري. هذا لم يحدث من قبل ولا في عشرين سنة.

مع ذلك، ونظرا لأنَّ كل شيء، مع التأخير والتسيُّب الذي حدث في السابق، يبدو للبعض وكأننا نمشي ببطء، مع أنه من يكون يسير بسرعة وهو جالسٌ لا يرى خلف الزجاج، لا يعتقد أنه يسير أصلا.

التغيير موجودٌ وكبير وسريع، لكن التأخر الذي حصل سابقا، جعل التحوّلات تبدو وكأنها ثقيلة، مع أنه ولو كانت “ثقيلة إنما هي أكيدة” على حدّ تعبير المثل الفرنسي، فإن الوصول والنجاح يكون مضمونا في حالة عدم التسرُّع.

نتائج هذه التحوُّلات سنلمسها في آجال قصيرة لا تتجاوز السنوات الخمس المقبلة، وفي أمدٍ متوسط أقصاه عشر سنوات.. وأمد طويل قد يتحقق في غضون الأربعين سنة المقبلة.. هذا إن واصلنا على نفس النهج والصرامة في العمل المؤسساتي والسياسي والتحول نحو الإنتاج المحلي والتصدير خارج المحروقات وتغيير البنية الاقتصادية وتحويلها نحو الذكاء الاصطناعي والصناعات التحويلية، التي كان رئيس الجمهورية أكثر ما ركّز عليها منذ حملته الانتخابية وإلى اليوم، فهذا سيكفل إحداث قطيعة مع سياسة “إعادة تركيب التركيب” التي عرفناها في النموذج السابق لـ”تركيب” السيارات، التي، مع غيرها من الممارسات، استنزفت اقتصادنا وملأت جيوب أصحابها والأعداء قبل الأصدقاء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • بومبروك

    تحليل منطقي للاحداث اشكرك دكتور سيد علي بن هندة الكريم العقلية رح تتغير بقوة التغير الحاصل كما شرح الدكتور المجتمع عموما والمشككين خصوصا رح يلقو انفسهم في مواجهة مد التغيير و التطور الذي يحدث ولابد من التأقلم ومسايرة المد ذلك للصالح العام للمجتمع و الدولة التي نحلم بها باذن الله ومعونته تصبح الجزائر كما كنا نحلم في ال30 سنة الي فاتت.. لكن يجب ان نتكاتف ونكونو كلمة ويد وحدة ربي يحمينا جميعا

  • عاي بن هندة

    تحتة عطرة دكتورنا أيام الجامعة أما فيمايخص ما تفضلت به فهو منطقي وصحيح في أغلبه ولكن في ظل عدم تغير العقلية والتفكير ستبقى الأحداث تدور في فلك واحد وبدون أي تغيير أو تقدم