-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
حروب الجيل الرابع

الوجه الناعم للانقلاب على الشرعية وتدمير الدولة الوطنية

محمد بوخطة
  • 1930
  • 5
الوجه الناعم للانقلاب على الشرعية وتدمير الدولة الوطنية

استثارني حديثٌ للأستاذ “رضا دغبار” عن الوضع السياسي، وبدا لي الرجل على غير ما كان عليه وقد جمعني به حوارٌ في إحدى القنوات أيام الحراك الأولى، ولكني رأيت أن أقدّم للحديث لأعود إليه في ما بعد.
إن الصراع العالمي على المصالح لا يتوقف، بل يتجدد دائما، تغذيه الرغبة في السيطرة والتغلب أو حتى التملك، ذلك ما يبرر أشكالا من النزاعات والحروب المختلفة المظاهر والوسائل:
مرّ العالم ويمر بمجموعتين من أنواع الحروب:
الأولى: الحروب التقليدية التي تستهلك السلاح والأرواح وهي ثلاثة أجيال:
ـ الجيل الأول: وهو الحرب بين جيشين نظاميين لدولتين متخاصمتين، وفي مساحات محددة جغرافيا، إنها حروبٌ معروفة عبر التاريخ.
ـ الجيل الثاني: وهي حربٌ بين جيش نظامي لدولة بعينها وبين جماعات مسلحة غير نظامية، كما حدث في أمريكا اللاتينية
أو كما حدث عندنا في التسعينيات.. هي ما يُعرف بحرب العصابات.
ـ الجيل الثالث: وهو نوعٌ الحروب الاستباقية التي تشنُّها دولة على دولة أخرى في محيطها الجغرافي، وتكون مباغتة وعنيفة ومدمِّرة كما فعلت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وكما فعلت أمريكا في العراق.
تتميز هذه الأجيال بأنها مقدَّرة الوسائل والنتائج، يمكن ملاحظتها، ولذلك شملتها قوانين دولية وأحكام عالمية يمكن أن تحدَّ من بعض ضررها أو تحجِّم انتشارها.
الثانية: الحروب غير التقليدية، وتبدأ بالجيل الرابع وبعده الخامس، وربما نحن الآن نعيش الإصدار السادس منها، وهي تستعمل كل الوسائل المتاحة: سياسية وإعلامية واقتصادية وثقافية واجتماعية ـ دون الاستعمال المباشر والظاهر للجيوش والأسلحة التقليديةـ تستهدف إضعاف الدولة المستهدَفة وإنهاكها بغرض إخضاعها لإرادة المستَهدِف.
قد تجد اختلافا في تصنيف هذه الأجيال الجديدة بالنظر إلى الوسيلة أو الوسائل الغالبة، ولكنها جميعا تشترك فيما ذكرت، وهي ابتداعٌ أمريكي خالص بدأ بعد أحداث 11 سبتمبر:
ـ الجيل الرابع: هو بداية استخدام الوسائل غير التقليدية كاستعمال الحرب الإلكترونية وصناعة الإرهاب وتفريخ الجماعات الإرهابية في الدول المستهدَفة مع الإنهاك الاقتصادي والعصف الفكري والثقافي…
ـ الجيل الخامس: هو بلورةٌ للجيل الرابع وتعميقٌ لاستغلال الوسائل الالكترونية معلوماتيا وإعلاميا، إذ أصبحت هي الأظهر والأكثر تأثيرا.
ـ الجيل السادس: مظهرٌ متقدِّم للجيل السابق يركز أكثر على استغلال الذكاء الاصطناعي لتفعيل كل تلك الوسائل أكثر وللتخفي أكثر.
ميزة هذه الأجيال أنها غير مقدَّرة الوسائل والنتائج، ومن ثمة، لا يمكن إلى حد الآن أن تحكمها أيُّ قوانين دولية فاعلة، ومن أهم وسائلها وغاياتها:
ـ إضعاف الدول الوطنية: وذلك بضرب هيبة الدولة وتغييب أخلاقها (الدولة) في عقول وقلوب منتسبيها وتسفيه مؤسساتها ورموزها إلى الحد الذي قد يجعلها مبتذلة لا تحظى باحترام، أحيانا تكون الأنظمة الحاكمة في هذه الدول وإداراتُها ذاتها شريكا في ذلك بقصدٍ أو بغير قصد، حين تُولي شئونَ الناس من لا كفاءة لهم ولا وطنية ولا يعرفون لأخلاق الدولة معنى.
تتشعب الرؤى وتتعدد الرايات وتكون ذلك بداية التمرُّد على سلطة الدولة، ما قد ينتهي إلى اللادولة أو إلى دويلات متعددة.
ـ استهداف الانتماء الاجتماعي: وضرب اللحمة الوطنية في الدول المستهدَفة، بزرع بذور الشقاق والتفرقة والفوضى، واستحداث ولاءات إثنية وعرقية واجتماعية وتفريخ المجموعات البشرية المختلفة بناء على ذلك، وبتجنيد مختلف الوسائل.
ليس غريبا بعد ذلك أن تجد مجتمعاتٍ عريقة ومستقرة تكتشف فجأة أن أصلها غير أصلها وأن أجدادها غير أجدادها وأن نسبها غير نسبها، لتبدأ رحلة البحث عن أصل جديد ونسب جديد وتاريخ جديد، أو حتى جغرافيا جديدة.
ـ ممارسة العصف الفكري والثقافي: المستهدِف للقيم الاجتماعية والأخلاقية بدعوى عالميتها والذي ينتج عنه شعورُ المستهدَف بغربته عن وسطه الاجتماعي وبداية البحث عن البديل الذي سيكون جاهزا ومغريا أيضا.
ـ استهداف الأسرة: لما لها من أثر في المجتمعات الشرقية ـ بخلاف الغربيةـ من الصين إلى المغرب، وذلك بإثارة الضجيج حول العلاقة بين الجنسين ليُتسرب من خلالها إلى البناء الأسري.
ـ ضرب المرجعيات الفكرية والثقافية والسياسية: تمهيدا لاستبدالها بعد أن تتحوَّل الجماهير إلى قطعان يسهل انقيادُها.
إن الغفلة عن كل هذا قد يحوِّلنا من حيث ندري أو لا ندري إلى جنود فاعلين لصالح معسكرات خصومنا، وتلك أبدع نجاحات حروب الأجيال الجديدة.
أعود إلى حديث الأستاذ رضا دغبار، والحق يقال إن صوته جذاب وأناقته متميزة، وترتيبه مغر بأفكاره، جمعني به نقاشٌ تلفزيوني مرة وقد كان مستميتا في الدفاع عن مادة كانت في الدستور تشترط أن يُنتخب الرئيسُ بأغلبية الناخبين المسجَّلين وليس الناخبين المصوِّتين، ثم أردف قائلا: وهذه المادة لم تتحقق في أي من رؤساء الجزائر المنتخَبين.
استدركتُ قائلا: يعني أنكم تقرُّون بأننا لو طبقنا هذه المادة فإن الجزائر منذ 1976 وإلى الآن لم يكن لها رئيسٌ منتخب؟ فلم يركّز، وأدركتُ أن الرجل على اختصاصه تعوزه الواقعية السياسية، فضلا عن أن المادة في حد ذاتها تتعارض والقيم الديمقراطية المستقرّة لا يعسر على أي مهتم إدراك ذلك.
أعجبني منه دفاعُه عن بعض مؤسسات الدولة، وأنا في ذلك مقتنعٌ بأنه مهما ساء سلوك المنتسبين إلى المؤسسات فإن سحب ذلك بالحكم عليها سيكون تحقيقا لأهداف حروب الجيل الرابع كما أسلفت الذكر، وأظنني سمعتُ منه أو ربما بدا لي كذلك دفاعه عن مؤسسة الجيش أو قيادتها في الحراك الأول.
سرّني هذا التغيُّر في الخطاب فأشدت به.
غير أن الملفت أن دعاة بحث الحلول خارج الإطار الدستوري قد هذَّبوا مطلبهم فأخطلوه بشيء من رقية الثعلب على قول الأعرابي، لم يعد لديهم مانعٌ أن تستمر المؤسسات الدستورية ولا بأس أن تعضد بمعاونين أو مساعدين في نفس اختصاصها ليُنتهى بعد ذلك إلى صناعة ظروف استبدالها. لن أعلق هنا بقبول أو رفض ولكن عندما تتناسق طروحات نزلاء الخارج في إنكلترا وفرنسا وغيرهما مع نظرائهم في الداخل فهو ـ على قول الأستاذـ بعض هندسة العقل في تكريس الفكر الانتقالي بوجه ناعم مدهون، إن الذين تعوّدوا ممارسة السلطة بامتياز الحكم لن يتخلوا عنها بسهولة.
راقني ما سمعت من الأستاذ جمال لعبيدي “إن أخطر وأهَمَّ حل ثوري في العالم الثالث والعالم العربي هو تكريس الحل الدستوري” وأزيد على ذلك إنه الإطار الذي يحمينا من تناقضاتنا التي لا تملك مرجعية محل اتفاق.
إن الأنظمة الحاكمة التي تحتكر آليات وأدوات التغيير لا يسهل عليها الالتزامُ بالأطر الدستورية والقانونية، ومتى كرّسنا هذه الثقافة ورسّخناها لتصبح مرجعية حقيقية للجميع فتلك أأمن طرق التغيير.
قد تكون السلطة الحاكمة مقصِّرة في تقديم ما يغري الناس بدعم خياراتها وكأنها تتعمَّد حصار نفسها، غير أن البدائل المعروضة ليست خياراتٍ أرقى ولا أنقى.
قد تكون حقيقة مؤلمة أختم بها حديثي لأتوقف رغما عني احتراما لآداب النشر في عدم الإطالة:
أزعم أن الحراك بلغ مداه وأنه لن يحقق أكثر مما حقق، لأنَّ أي انتفاضة لا تصنعها قيادةٌ ظاهرة ولا تملك برنامجا سياسيا واضحا ولا هيئة مؤطِّرة منسجمة، فإن اختراقها يسير وتوجيهها لصالح القوى المنظمة الخفية أيسر، بل إن تحوُّلها إلى أداة من أدوات حروب الجيل الرابع وارد.
نعم كان حراكا مباركا وسيظل لأنه كسر حاجز الصمت والخوف وأسقط أصناما… ولكنها هزاتٌ تصنعها الشعوب وتخيِّبها نخبتُها من أمثالنا حين تتخلف عن الموقف أو تركبه بدل أن تصنعه.
ويبقى من الضروري أن نصير إلى طرق النضال الديمقراطي المستمرة والمعتاد فنفعَّلها ونطورها في ظل الشرعية التي تحمينا من تناقضاتنا إلى غاية امتلاكنا القدرة على ترقيتها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • محمد الكامل

    وعلي الدولة ان كانت مخلصة وصادقة في ناوياها ووفية لشعبها علي الدوام -نواياها الحسنة وليست السيئة بالطبع - ان تضحي وتغير وتعمل بجد واجتهاد وتنفذ مطالب امتها التي تحكم
    علي الدولة ان تخدم شعبها بكل قوة وتدافع عن مصالحه العليا لان المسؤولية تكليف وليست تشريفا لا ان تكذب عليه وتخادعه وتنهكه بالضرائب والغرامات والاستبداد والظلم والطغيان وسرقة وتحويل ونهب امواله نحو اوروبا للتمتع بها مع الاهل والاخلان هناك والاصحاب .
    ارجو ان لا يقلق كلامي هذا اصحاب المصالح بالسلطة يا سادة

  • Karim

    الصراع على المصالح أرضية خصبة تستغلها الماسونية العالمية اليهودية و الذي لم يدرس دور اليهود في التاريح الحاضر لن يجد الحل .

  • خالد

    و بالرغم من كل ذلك يبقى السؤال الأول و الأهم و المشروع هو لماذا تتحرك الشعوب خاصة و بصورة ملفتة للانتباه في المنطقة العربية !؟ اذا كان الجواب هو كذلك ( المؤامرة ) التي تنسج خيوطها في مخابر خارجية فالسؤال أيضا لماذا المؤامرة على هذه المنطقة بالخصوص !؟

  • الحكيم الجزائري

    مقال جيد في تحليل استراتيجية الصراع الجديدة،،،،،لكني أعيد وأقول لك مادمنا كمجتمع(نتمتع) دائما بقيم وأفكار وعواطف القابلية للاستدمار ،،،،لن يصلح عندنا شيء..............تحية لك أيها العقل الفاعل.

  • morbouz

    اجملت ووفيت ان دعاة المرحلة الانتقالية لا يملكون اي الية لتحقيق هذا الانتقال الديقراطي بطريقة غير ديقراطية وكان الكثير من سءم التغييير الممنهج ينظر للمسالة عن حسن نية فان البعض يستعملها لانجاز قفزة امتيازية كما حدث في التسعينيات مع اجندة خاصة لتدمير الدولة الوطنية لصالح الرسمالية الغربية التي تسعى اسستنزاف مقدرات الشعوب بكل الحروب وتمويل موسسات حقوق الانسان بفتات ما يسرق من البلدان