-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اليتيم لا يحتاج مَن يُعلّمه البكاء…

اليتيم لا يحتاج مَن يُعلّمه البكاء…

تتواصل على أكثر من ثغرة على جبهة الصراع الفكري حَرب نشر اليأس والتشاؤم بين أبنائنا. يتم استغلال كل النقائص الموضوعية وغير الموضوعية بشكل لا يوصف وبكافة الطرق. لم يعد هناك من خبر أو حدث إلا وتم تحميله ما أَمْكن من بذور اليأس. كادت مواضيع اليأس تُخيِّم على معظم أحاديثنا البينية أو العائلية وكتاباتنا وحواراتنا. لم يعد يخلو منها أي مجلس؟ أصبحت مُحرِّك كل حديث. أصبحت الكثير من الآذان لا تستسيغ حديث الأمل… ترفُضه مسبقا مهما كان الموضوع ومهما كان سبب الحديث.

هل هذه حالة صحِّية أم مَرضية؟ وما السبيل لإصلاحها؟

لا شك أن المدخل إلى اليأس في الغالب ما يكون مشكلة موضوعية: الشغل، السكن، الماء، النظافة، النقل، التعليم، الصحة، غلاء المعيشة..الخ. أصبحت كلها منطلقات للوصول إلى نتيجة واحدة: كل شيء سيئ في هذه البلاد. لم يبق ما يستحق أن نعيش من أجله فيها… لم يبق سوى الفرار أو الهجرة…. الحرقة لعامة الناس، والفيزا المنتقاة لنخبة الكفاءات والأثرياء…

ويقبل الناس باستسلام غريب هذه النتيجة دون إدراك مدى خطورتها ومعرفة كيف ولِمَ وصلنا إليها، ودون محاولة فتح آفاق للمستقبل يُمكنها مساعدتنا على تجاوزها.

هل هذا وضع سليم؟ هل هي حالة نفسية وفكرية عادية؟ وما السبيل للتعامل مع مثل هذا الواقع؟ وهل يمكن للجميع أن يهجر بلده؟ وهل يقبل الآخرون أن يهجر إليهم الجميع؟ ومَنْ للوطن إذا غادره شبابه ونخبته وأثرياؤه؟

تعيدني هذه الأسئلة الأخيرة إلى القرون الأولى للنهضة الأوروبية؟ بل وإلى السنوات الأولى ما بعد الحرب العالمية الثانية؟ هل هجر الأوروبيون بلدانهم إلى حيث كان الازدهار في القرون الوسطى وما بعد الحرب العالمية الثانية وتركوها تنهار؟ أم تحملوا صعوبات  النهضة ونقل المعرفة من غيرهم، وأحيوا تراثهم اليوناني والروماني وأسَّسوا لعصر الأنوار بعد أن كانوا يتخبطون في عصر الظلمات ثم صنعوا لثلاثين سنة المجيدة بعد سنة 1945؟ هل انتقلوا في طفرة من طفرات التاريخ نحو النهضة والتقدم الذي يعيشونه اليوم أم بنوه بالتدريج، لَبنة لبنة، وضحوا من أجل ذلك كل التضحيات وتحملوا كافة المشاق؟ هل وصلوا إلى الرخاء الذي هم عليه اليوم من خلال الفرار من بلدانهم أم من خلال الصمود فيها وخدمتها؟ لِمَ نحن نريد الانتقال مباشرة إلى العيش في ذلك المستوى الرفيع الذي هم فيه الآن دون محاولة صناعته في بلداننا؟ لِمَ نريد الاستمتاع بالنظام والحقوق والامتيازات والرَّفاه الذي ضحت من أجله أجيال أوروبية بعد أجيال ولا نُفكِّر في صناعته في بلداننا؟ أليس هذا من قبل الأنانية والهزيمة النفسية والفكرية على جبهة الصراع الفكري؟

جميلة هي الهجرة من أجل البلد، من أجل طلب العلم لصالح البلد. من أجل طلب الثروة لصالح البلد، من أجل نقل الخبرات الأجنبية إلى البلد، من أجل نقل التقدم العلمي والتكنولوجي إلى البلد، من أجل التأسيس لنهضتها في كافة المجالات… وغير جميلة الهجرة لأجل الاستمتاع بما صنعه الآخرون لبلدانهم من تقدم وازدهار، أو الذهاب بزبدة الجهد الفكري والعلمي والمالي الذي تم استخلاصه بعد مخاض عسير وتضحيات جمة في بلادنا، وتقديمه جاهزا على طبق من ذهب لمستغلي الشعوب بالأمس القريب ليزدادوا ازدهارا على ما هم عليه…

لسنا في حاجة اليوم إلى من يذكرنا بحالنا السيئة، وبأننا نعيش أزمة كذا وكذا، في أي مجال من المجالات، لسنا في حاجة لمن يبكي لحالنا أو يتباكى لأجلنا، بل من يكون إلى جانبا لتغيير هذه الحال. لقد كانت والدتي -رحمها الله – تقول لي باستمرار: اليتيم لا يحتاج مَن يعلمه البكاء…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!