-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بأيّ ذنب يُقتل الأئمّة؟!

سلطان بركاني
  • 646
  • 0
بأيّ ذنب يُقتل الأئمّة؟!

فاجعة أليمة اهتزّ لها كيان كلّ جزائريّ، وتفاعلت معها مشاعر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، تلك التي شهدها أحد مساجد الجزائر يوم الخميس الماضي، حيث ذُبح الإمام وهو راكع يتقدّم جموع المصلّين في صلاة العصر.. حادثة أعادت بفظاعتها إلى الأذهان سلسلة أحداث شهدتها مساجد عدّة في مناطق متفرّقة من الوطن، في أشهر وسنوات مضت، كان ضحيتها أئمّة يشهد لهم رواد المساجد بحسن السيرة والسلوك، مع فارق وحيد هو أنّ الحادثة الأخيرة بلغت في الفظاعة غايتها، فلا أحد كان يتوقّع أن يصل الأمر إلى الحدّ الذي يذبح فيه الإمام في محرابه!

الحقّ يقال إنّ ما يحصل للأئمّة، كثير منه كان متوقّعا بالنّظر إلى التراكمات التي توالت خاصّة في السّنوات والعقود الأخيرة، حيث أصبح لحم الإمام -قبل دمه- وجبة دسمة ولقمة سائغة في كثير من المجالس العامّة والخاصّة، وأضحى عرضه مستباحا لدى بعض وسائل الإعلام اللاهثة خلف الإثارة؛

وأصبح كلّ ناقم على الأوضاع لا يتردّد في حشر الأئمّة ضمن قائمة المتسبّبين فيما آل إليه الواقع، وغدا ضحايا التسرّب المدرسيّ لا يجدون حرجا ولا غضاضة في محاكمة الأئمّة وتقييم خطبهم وكلماتهم ومواقفهم، ومهما كان الإمام حريصا على التزام الحكمة والموعظة الحسنة، فإنّه يجد من يعترض على كلامه وربّما يسفّهه ويتّهمه باجترار الكلام وقراءة الخطب الجاهزة والمسطّرة! إنْ أقدم في قضايا الشّأن العام وجد من يقول عنه: متهوّر يثير الفتنة ولا يقدّر العواقب! وإن تروّى وجد من يقول عنه: رعديد جبان! إن قرأ قراءة خاشعة قيل إنّه يتظاهر بالخشوع ويثقل القراءة، وإن أسرع في القراءة قيل: لعله مدعوّ إلى وليمة من الولائم! إن أظهر نعمة الله عليه قالوا: من أين له هذا؟ وإن ظهر عليه التواضع واختار عيشة الفقراء قالوا إنّه يخادع!… ليس كلّ النّاس يسيئون الظنّ بالأئمّة ويحملون كلامهم ومواقفهم على المحامل السيّئة، لكنّ هذا النّفَس أخذ يستشري في السّنوات الأخيرة مع اتّساع رقعة استعمال وسائل التواصل التي أتاحت الفرصة لكلّ أحد في أن يعترض وينتقد ويسفّه!

هذا على المستوى العام، أمّا على مستوى الجهات المسؤولة فإنّه لم يعد يخفى على أحد كيف أصبحت تعامل الإمام -في بعض الأحيان- كأنّه صحفيّ ينتظر التقارير الجاهزة ليقرأها على المسامع وينصرف راشدا، حتى غدا جلّ النّاس يتحدّثون عن الخطب الجاهزة المرسلة من الأعلى، وأصبح رواد المساجد يتوقّعون مواضيع الخطب التي يسمعونها في المساجد، خاصّة في المناسبات، ما أدّى إلى تهاوي مكانة الإمام في قلوب العامّة، خاصّة مع انخراط المساجد في مشروع جمع وتحصيل وتوزيع الزّكاة والصّدقات، ما فتح الباب على مصراعيه لمرضى النفوس ليشكّكوا في أمانة الأئمّة ويتّهموهم بالسّطو على أموال المزكّين والمحسنين، بناءً على أخبار وتقارير مضلّلة تنشرها بعض الصحف اللاهثة خلف الإثارة والتي غالبا ما يكون المتّهمون فيها أشخاصا لا علاقة لهم بالإمامة وقصارى أمرهم أن يكونوا ممّن تقلّدوا منصب الإمامة في ظلّ النقص الفادح في التأطير الذي تعانيه المساجد..

بل إنّ توسّع نشاط المسجد في السّنوات الأخيرة جرّ على كثير من الأئمّة حنق بعض الأنانيين الذين ينظرون إلى الزكوات والصّدقات التي توزّعها المساجد على أنّها حقّ مشاع لكلّ راغب فيه، مثله مثل قفّة رمضان التي توزّعها البلديات ومنحة الدخول المدرسي التي توزّعها المؤسّسات التربوية، وبالتالي، إن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، بل إنّ الأمر يتعدّى في بعض الأحيان دائرة السّخط إلى دائرة التربّص بالأئمّة ومحاولة النيل منهم، وقد شهدت عديد المساجد اعتداءات على الأئمّة أبطالُها أشخاص حانقون لم يستفيدوا من الإعانات التي توزعها صناديق الزّكاة، لأنّهم في الغالب ليسوا من مستحقيها.

من جهتها، عملت الطّوائف المتشدّدة التي تريد للإمام أن يعتنق خياراتها ويتكلّم بقناعاتها، في كلّ صغيرة وكبيرة، وإلا وصمته بأنّه جاهل مبتدع، يهجر ويبدّع، ويحذّر منه، وإن أمكن حوصر وضُغط على أعصابه حتّى يضطرّ للتحويل إلى مسجد آخر، وإن سنحت الفرصة لأذيته وإهانته ولِمَ لا إسالة دمه، فذاك هو الحلّ الأمثل.. هذه الطّوائف كانت لها حصّة الأسد في الأحداث التي شهدتها كثير من المساجد وأنزل فيها بعض الأئمّة من منابرهم وأبعد بعضهم عن محاريبهم وسُبّ بعضهم وضرب، وقتل من قتل منهم غدرا.

العصب العلمانية التي تزدري الإمام إن قصَر كلامه على العبادات والأخلاق وتحاشى الحديث في قضايا الشأن العام، وترميه من قوس واحدة إذا اقترب من حمى السياسة وتتّهمه بتسييس الدّين واستغلال المنبر لمآرب سياسية خدمة لأجندات التيار الإسلاميّ! هذه العصب، كان لها هي الأخرى دور قذر في التّأليب ضدّ الأئمّة وحشد الرّأي المجتمعيّ ضدّهم باعتبارهم موظّفين يغرفون من خزينة الدّولة من دون أن يقدّموا شيئا غير الكلام!

الجماعات الانفصالية المتطرّفة الحاقدة على دين الأمّة الحانقة على لغة الضّاد، التي ترى في الأئمّة سببا من أسباب تجذّر وثبات ولاء الأمّة لدينها ولغة كتابها، وحائط صدّ متينا يحول دون بلوغ تلك الجماعات مآربها في إحياء النعرات القديمة لتحلّ محلّ الولاء للدّين؛ هذه الجماعات سعت بدورها إلى امتهان بيوت الله وإسقاط هيبتها، كما سعت إلى إسقاط مكانة الأئمّة في المجتمع باعتبارهم دراويش يخدمون التوجّهات الإسلاموية!

الإمام هدف مشترك لكلّ هذه الجهات التي تريد إرباكه وإفقاده الحماس لرسالته، ومن واجب المخلصين في قطاع الشؤون الدينيّة -وهم كثر- أن يتحرّكوا لحماية الإمام وإعانته على البقاء وفيا لرسالته، كما من واجب رواد المساجد أن يتفطّنوا لأصحاب المآرب الذين يتخلّلون الصّفوف ويتكلّمون باسم الجميع ليحرّضوا ضدّ الأئمّة ويسقطوا مكانتهم وهيبتهم ويجعلوهم غرضا للمتنطّعين والمعقّدين وأصحاب الأمراض النّفسية والعقلية!

الإمام بشر، قوته من قوة رسالته، لكنّه يحتاج إلى دعم المخلصين من حوله، تشجيعا وتثمينا ومؤازرة.. المخلصون الواعون بخلفيات الهجمة التي تستهدف فرسان المنابر ينبغي أن تكون لهم كلمتهم وترتفع أصواتهم بشدّ أزر الأئمّة والذّود عنهم، لأنّ المراد ليس شخوصهم إنّما رسالتهم وقضيتهم التي يمثّلونها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!